أعاد انتشار أجهزة وتطبيقات الحد من استخدام الهواتف الذكية فتح نقاش متجدد حول علاقة المستخدمين بشاشاتهم، بعدما بدأ عدد متزايد من الشباب في الولايات المتحدة وأوروبا تجربة وسائل تمنع الوصول إلى تطبيقات التواصل الاجتماعي لفترات محددة، في محاولة للتخلص من التصفح القهري ومطاردة الأخبار والمنشورات المتلاحقة، وهي موجة وصفت بأنها اتجاه جديد في عالم الرفاهية الرقمية يقوم على الابتعاد عن الهاتف بدلًا من زيادة الاعتماد عليه.
واستعرضت صحيفة "نيويورك بوست" الأمريكية تجربة جهاز "بريك" الذي يسمح للمستخدم بحجب تطبيقات بعينها عبر أداة مادية صغيرة مرتبطة بتطبيق على الهاتف، إذ يحدد المستخدم البرامج التي يريد تقييدها، ثم يلمس هاتفه بالجهاز لتفعيل الحظر، ولا يمكن إعادة التطبيقات إلا من خلال تكرار العملية، في محاولة لتحويل قرار الابتعاد عن الهاتف من رغبة مؤقتة إلى حاجز مادي يصعب تجاهله.
موجة رقمية مضادة
شهد جهاز "بريك" انتشارًا متزايدًا منذ إطلاقه في خريف عام 2023، مع تصاعد المخاوف بشأن تأثير الاستخدام المفرط للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي على النوم والصحة النفسية والإنتاجية والعلاقات الاجتماعية، بينما عزز انتشار الفكرة خلال 2026 توجهًا أوسع نحو "الديجيتال ديتوكس"، وعودة بعض المستخدمين إلى الهواتف التقليدية والهوايات والأجهزة التناظرية، بعد سنوات أصبح فيها الهاتف حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية تقريبًا.
أصبح الجهاز، الذي يبلغ سعره 59 دولارًا ولا يتطلب رسوم اشتراك مستمرة، جزءًا من هذا التحول، إذ يبقى في المنزل ويجبر المستخدم على النهوض والذهاب إليه لإلغاء الحظر، وهو ما يحوّل عملية فتح تطبيقات مثل إنستجرام أو ثريدز من حركة تلقائية إلى قرار متعمد، كما يحد من قدرة المستخدم على استعادة التطبيقات سريعًا أثناء وجوده خارج المنزل.
صراع مع العادة
كشفت تجربة استخدام الجهاز أن حجب التطبيقات كان أسهل من التخلص من السلوك المرتبط بها، إذ استمر المستخدم في محاولة فتح التطبيقات المحجوبة بصورة تلقائية، حتى خلال الدقائق الأولى بعد الاستيقاظ، بينما ظهر الشعور بالفراغ وعدم الارتياح عندما لم يعد الهاتف متاحًا لملء لحظات الانتظار والتنقل والملل.
وأفاد متخصصون في الإدمان والعلاج النفسي بأن الاستخدام المتكرر للهواتف قد يتحول إلى سلوك آلي يصعب التحكم فيه، في ظل تصميم خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي بطريقة تشجع المستخدم على الاستمرار في التصفح، وهو ما يخلق دوائر متكررة من البحث عن محتوى جديد والتنبيهات والتفاعل، ويجعل التوقف المفاجئ أكثر صعوبة مما يتوقعه كثيرون.
وأوضح متخصصون أن بعض المستخدمين قد يشعرون خلال مرحلة الابتعاد الأولى بالتوتر أو الملل أو الإحساس بأن الوقت يمر ببطء، فيما يمكن أن تظهر لدى بعضهم ظاهرة "الإشعارات الوهمية"، عندما يعتقد الشخص أن هاتفه اهتز أو تلقى إشعارًا رغم عدم حدوث ذلك، وهي أعراض مرتبطة بتغيير عادة متكررة أكثر من كونها دليلًا على إدمان بالمعنى الطبي في كل حالة.
حياة خارج الشاشة
أظهرت تجربة الابتعاد التدريجي عن التطبيقات أن الفراغ الذي يخلفه الهاتف يمكن أن يتحول إلى وقت متاح لأنشطة أخرى، إذ بدأ المستخدم بقراءة الأخبار بدلًا من تصفح مواقع التواصل في الصباح، وقراءة الكتب أثناء التنقل، والتحدث مع زملاء العمل بدلًا من مراجعة الرسائل، والتواصل بصورة مباشرة مع الأصدقاء بدلًا من متابعة حياتهم عبر الشاشات.
وساعدت هذه الخطوة كذلك في استعادة بعض الأنشطة التي كانت قد تراجعت بسبب الاستخدام المتواصل للهاتف، مثل ممارسة الرياضة وإعداد الطعام والعزف على الموسيقى، بينما بدا أن تقليص التصفح قلل من الانشغال المستمر بما يفعله الآخرون، وهو أحد المحركات الرئيسية لما يعرف بـ"الخوف من تفويت شيء"، أو FOMO، والذي يدفع المستخدمين إلى تفقد هواتفهم بشكل متكرر خشية تفويت منشور أو خبر أو حدث اجتماعي.
وأكد خبراء أن نجاح أي محاولة للابتعاد عن الهاتف لا يتوقف فقط على حظر التطبيقات، وإنما يعتمد كذلك على إيجاد بدائل عملية لوقت التصفح، لأن إزالة الهاتف من المعادلة من دون ملء الوقت بأنشطة أخرى قد تعيد المستخدم سريعًا إلى السلوك نفسه بمجرد انتهاء القيود.
عودة إلى الحياة
عكست موجة أجهزة منع التطبيقات تحولًا أوسع في نظرة بعض المستخدمين إلى التكنولوجيا، إذ لم تعد الرفاهية الرقمية تعني امتلاك أدوات أكثر أو تطبيقات جديدة، وإنما أصبحت بالنسبة إلى البعض القدرة على استعادة السيطرة على الانتباه والوقت بعيدًا عن الإشعارات والخوارزميات، وهو ما يفسر تنامي الاهتمام بالهواتف البسيطة والهوايات القديمة والأنشطة التي لا تتطلب شاشة.
وأعادت هذه الموجة في الوقت نفسه طرح سؤال حول العلاقة بين التكنولوجيا والصحة النفسية، فالهاتف الذي صُمم لتسهيل التواصل والوصول إلى المعلومات أصبح لدى كثيرين مصدرًا دائمًا للمقاطعة والتشتت، بينما يحاول مستخدمون تحويله مجددًا إلى أداة اختيارية بدلًا من أن يصبح حاضرًا بصورة تلقائية في كل لحظة من اليوم.