رضخت دول أوروبية لضغوط من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووافقت على السحب من مخزونات الديزل الاستراتيجية، في تحرك يستهدف تهدئة الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، بعدما لوّحت الإدارة الأمريكية بإمكانية حظر صادرات الديزل إلى الخارج ما لم تتحرك الدول الحليفة لزيادة المعروض في الأسواق، بالتزامن مع سعي واشنطن إلى احتواء الضغوط الاقتصادية قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر.
وأعلنت دول مجموعة السبع أنها ستطرح ما يصل إلى 100 مليون برميل من النفط الخام والديزل على مدى أربعة أشهر، مع تنفيذ سحب كبير من مخزونات الديزل خلال الأيام العشرين الأولى، في أعقاب اتصالات أجراها ترامب مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وقادة مجموعة السبع، بينما عقد مسؤولون أوروبيون اجتماعات طارئة لبحث تداعيات نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، بحسب شبكة "سي إن إن" الأمريكية.
ضغط أمريكي
كثفت إدارة ترامب ضغوطها على الحكومات الأوروبية خلال الأيام الماضية، مطالبة إياها باستخدام مخزوناتها الاحتياطية من الديزل لمواجهة اضطراب أسواق الطاقة العالمية، في الوقت الذي هددت فيه واشنطن ضمنيًا بإمكانية تقييد صادرات الوقود الأمريكي إلى الخارج إذا لم تساهم الدول الأخرى في زيادة المعروض، وهي خطوة كان من شأنها التأثير بصورة أكبر على السوق الأوروبية التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الديزل.
وأكد ترامب أن عملية السحب من الاحتياطيات "ستبدأ فورًا"، معتبرًا أن الكميات التي ستطرحها الدول الأوروبية ستكون كبيرة بما يكفي للمساعدة في تخفيف أزمة الوقود، بينما أعلنت فرنسا القرار عقب مؤتمر عبر الفيديو لقادة مجموعة السبع، في خطوة عكست انتقال القضية من مستوى المناقشات الثنائية إلى تنسيق جماعي بين الاقتصادات الكبرى.
ودفع ارتفاع أسعار الوقود الإدارة الأمريكية إلى تكثيف التحرك قبل انتخابات التجديد النصفي، حيث أصبحت تكاليف النقل والزراعة والتدفئة جزءًا رئيسيًا من النقاش الاقتصادي الداخلي، بينما استخدم ترامب أزمة الطاقة للضغط على حلفائه في الخارج وتحميلهم جزءًا من مسؤولية دعم استقرار الأسواق العالمية.
مخزونات استراتيجية
أقرت دول مجموعة السبع خطة للإفراج عن 100 مليون برميل من النفط الخام والديزل على مدى أربعة أشهر، مع التعهد بتنفيذ عملية سحب كبيرة ومقدمة من الاحتياطيات خلال أول 20 يومًا، في محاولة لزيادة الإمدادات بسرعة واحتواء الارتفاعات التي شهدتها أسعار الوقود منذ اندلاع الحرب مع إيران.
وأبرزت الخطة أهمية الديزل للاقتصاد العالمي، إذ يعتمد عليه تشغيل الشاحنات والجرارات وقطارات الشحن ومجموعة واسعة من الأنشطة التجارية والصناعية، بينما تعد الولايات المتحدة أكبر مصدر عالمي للديزل، في حين تُعد أوروبا مستوردًا صافيًا للوقود، ما يجعل أي اضطراب في صادرات واشنطن ذا تأثير مباشر على الأسواق الأوروبية.
وتحملت أوروبا كذلك مخاطر خاصة بالسحب من مخزوناتها الاستراتيجية، إذ تلزم دول الاتحاد الأوروبي بالاحتفاظ باحتياطيات نفطية تعادل 90 يومًا من صافي الواردات، لكن المفوضية الأوروبية لا تحدد مقدار ما يجب تخصيصه من هذه المخزونات للنفط الخام أو الديزل أو وقود الطائرات أو الكيروسين، ما يمنح الحكومات مساحة للمناورة لكنه يزيد صعوبة تقييم حجم الاحتياطيات المتاحة فعليًا.
أزمة متصاعدة
ارتفعت أسعار الديزل الأوروبية بأكثر من الضعف منذ بدء الحرب الأمريكية الإيرانية في أواخر فبراير، وفق بيانات السوق، بينما واصلت إمدادات الوقود العالمية التعرض للضغوط بسبب تعطل تدفقات النفط الخام والمنتجات المكررة من الشرق الأوسط، دون أن تصل أوروبا حتى الآن إلى مرحلة نقص شامل في الوقود.
وسجلت أسعار الديزل في الولايات المتحدة بدورها مستويات قياسية، بعدما تجاوز متوسط السعر 6 دولارات للجالون الشهر الماضي للمرة الأولى، قبل أن يصل إلى نحو 6.40 دولار الجمعة، بينما تراجعت الأسعار بنحو 5% بعد الإعلان عن خطة الإفراج المنسق عن الاحتياطيات.
وتزامن ذلك مع استمرار روسيا في فرض قيود على صادرات الديزل، بعدما مددت موسكو الحظر على الصادرات حتى نهاية أكتوبر، في أعقاب هجمات بطائرات مسيرة أوكرانية استهدفت مصافي النفط الروسية، إلى جانب مؤشرات على أن الصين قد تشدد هي الأخرى ضوابط صادرات المنتجات النفطية، ما يزيد الضغط على المعروض العالمي.
مخاطر مؤجلة
حذرت مؤسسات متخصصة في أسواق الطاقة من أن استخدام الاحتياطيات يمكن أن يقدم حلًا مؤقتًا لكنه لا يعالج جذور أزمة الإمدادات، إذ قال محللون إن استمرار الاضطرابات لفترة طويلة سيجعل من الصعب على الدول مواصلة سحب المخزونات دون استنزافها والوصول لاحقًا إلى أزمة أكبر في الإمدادات.
وأوضح ريتشارد برونز، الشريك المؤسس لشركة "إنرجي أسبكتس"، أن أي حظر أمريكي لصادرات الديزل كان سيدفع الدول إلى التنافس الحاد على الكميات المتبقية في الأسواق، مؤكدًا أن الولايات المتحدة مورد أساسي للسوق الدولية، بينما رأى مات ستانلي، رئيس قسم تفاعل الأسواق في شركة "كبلر"، أن السحب من الاحتياطيات يحمل مخاطر كبيرة إذا استمر الاضطراب الأساسي في الإمدادات.
وكانت دول وكالة الطاقة الدولية قد وافقت في مارس على الإفراج عن 400 مليون برميل من النفط في الأسواق العالمية، في أكبر عملية سحب من الاحتياطيات الطارئة في التاريخ، استجابة لتداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية، بينما اعتبرت واشنطن أن الدول الأوروبية لم تنفذ الجزء المطلوب منها بصورة كافية.
وكشفت التطورات في الوقت نفسه عن تداخل متزايد بين اعتبارات أمن الطاقة والحسابات السياسية في واشنطن، إذ تحاول إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تخفيف الضغوط على أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي، بينما اضطرت أوروبا إلى الموازنة بين تلبية المطالب الأمريكية والحفاظ على احتياطيات يمكن أن تحتاج إليها في حال طال أمد الحرب واضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط وأوكرانيا.