الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

إسبانيا.. لماذا حل "سانشيز" البرلمان ودعا لانتخابات مبكرة؟

  • مشاركة :
post-title
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز

القاهرة الإخبارية - أحمد أنور

دعا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، اليوم الاثنين، إلى إجراء انتخابات عامة مبكرة في 29 نوفمبر المقبل، في خطوة بدت محاولة لاستعادة زمام المبادرة السياسية بعد موجة احتجاجات واسعة؛ بسبب أزمة السكن التي تصاعدت عقب إخلاء مسنة تبلغ 87 عامًا من منزلها، ما دفع الحكومة إلى إنهاء الولاية البرلمانية الحالية قبل أكثر من ستة أشهر من موعدها.

وقال "سانشيز" في كلمة متلفزة إنه قرر حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة بعد إبلاغ رئيس الدولة، بينما جاء الإعلان بعد فشل حكومته في الحصول على دعم برلماني لتمرير قانونين مقترحين لمعالجة أزمة السكن.

وتفاقمت الضغوط على الحكومة الإسبانية خلال الأيام الماضية بعد تحوّل قضية ماريا ديل كارمن أباسكال، المعروفة باسم ماريكارمن، إلى رمز للأزمة العقارية المتصاعدة في البلاد، بعدما أُخليت من منزلها في حي ريتيرو بالعاصمة مدريد إثر ارتفاع إيجاره من 500 يورو إلى 2650 يورو، لتتحول قضيتها إلى محور غضب شعبي، حيث خرج آلاف الأشخاص إلى الشوارع احتجاجًا على أوضاع السكن وارتفاع الإيجارات، وسط مطالبات للحكومة باتخاذ إجراءات أكثر حزمًا لحماية المستأجرين وزيادة المعروض من المساكن بأسعار يمكن تحملها، بحسب شبكة "سي إن إن" الأمريكية.

هزيمة برلمانية

وفي وقت سابق، رفض البرلمان الإسباني مرسومي سانشيز الطارئين الخاصين بالسكن، في ضربة سياسية جاءت في توقيت بالغ الحساسية، بعدما تحولت أزمة ارتفاع أسعار المنازل والإيجارات إلى واحدة من أكثر القضايا حضورًا في الشارع، وتصاعدت الاحتجاجات في مدريد، بينما واصل متظاهرون نصب الخيام في ساحة بويرتا ديل سول للمطالبة بإجراءات عاجلة للحد من أزمة السكن.

وأظهر التصويت أن حكومة سانشيز لم تعد قادرة على الاعتماد بصورة تلقائية على أصوات نواب "يونتس"، رغم أن الحزب كان قد دعم عودته إلى رئاسة الحكومة في إطار صفقة سياسية واسعة تضمنت موافقة الاشتراكيين على قانون عفو عن أشخاص أُدينوا في قضايا مرتبطة باستفتاء استقلال كتالونيا غير القانوني عام 2017.

وأبرزت الهزيمة كذلك مأزق الحكومة في تمرير القوانين الأساسية، إذ لا يزال سانشيز عاجزًا عن إقرار موازنة وطنية جديدة، ما أجبر حكومته على مواصلة العمل بموازنات وتمويلات ممتدة من فترات سابقة، في وقت تزداد فيه الضغوط المالية والاجتماعية على الناخبين.

أزمة الحكومة

واجه سانشيز خيارًا سياسيًا صعبًا بين الاستمرار في إدارة حكومة أقلية تفتقر إلى أغلبية مستقرة، أو المجازفة بتنظيم انتخابات مبكرة قد تعيد تشكيل البرلمان وتحدد ما إذا كان اليمين المحافظ قادرًا على العودة إلى السلطة، بينما تراقب أحزاب المعارضة التطورات وتطالب بإجراء انتخابات في أسرع وقت.

واستعاد المشهد الحالي أصداء أبريل 2024، عندما دخل سانشيز آنذاك في "فترة تفكير" مماثلة، بعد فتح تحقيق قضائي بشأن زوجته بيجونيا جوميز على خلفية شكوى تضمنت اتهامات بالتأثير غير المشروع والفساد في مجال الأعمال، قبل أن يعلن بعد خمسة أيام أنه قرر الاستمرار في منصبه، متعهدًا بالعودة إلى العمل "بمزيد من القوة".

وأصبحت الظروف هذه المرة أكثر تعقيدًا، بعدما أُمرت جوميز بالمثول أمام محكمة هيئة محلفين في قضية منفصلة، وسط نفيها ارتكاب أي مخالفات، بينما لم تعد الأزمة الحالية مرتبطة بالمصير الشخصي لسانشيز وحده، وإنما بقدرة حكومته على العمل واتخاذ القرارات والحفاظ على أغلبيتها البرلمانية.

حسابات انتخابية

استفاد حزب الشعب المحافظ المعارض من التطورات الأخيرة، إذ طالب زعيمه ألبرتو نونيز فييخو سانشيز بالدعوة إلى انتخابات مبكرة، بينما ظهرت داخل الحزب الاشتراكي نفسه أصوات ترى أن إسقاط الإجراءات الخاصة بالسكن يستدعي العودة إلى الناخبين، ما جعل احتمال إجراء انتخابات في وقت مبكر أكثر واقعية.

واستعاد سانشيز في الانتخابات العامة السابقة موقعه كرئيس للوزراء رغم أن حزب الشعب تصدر النتائج، بعدما تمكن الاشتراكيون من تشكيل تحالف برلماني جمع أطرافًا متباعدة سياسيًا، واعتمد بصورة كبيرة على حسابات المقاعد أكثر من اعتماده على برنامج موحد، وهو ما جعل بقاء الحكومة مرتبطًا باستمرار التفاهمات بين أحزاب تختلف في ملفات رئيسية.

وأظهرت التجربة السابقة أن سانشيز سبق أن لجأ إلى انتخابات مبكرة بعد خسارة الاشتراكيين بصورة كبيرة في الانتخابات الإقليمية والمحلية عام 2023، قبل أن يفوز حزب الشعب بـ137 مقعدًا مقابل 121 للاشتراكيين، لكن فييخو فشل في الوصول إلى أغلبية تتيح له تشكيل حكومة، ما سمح لسانشيز لاحقًا بتجميع الدعم الكافي للعودة إلى قصر مونكلوا.

مأزق سياسي

عمّقت هزيمة المرسومين الخاصين بالسكن مأزق سانشيز، لأن القضية التي فشل في تمريرها أصبحت في الوقت نفسه واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا بالنسبة إلى الناخبين، بينما ظل حلفاؤه يفرضون شروطًا متزايدة للحصول على أصواتهم، وهو ما يضع الحكومة أمام اختبار مزدوج يتعلق بقدرتها على الاستمرار وقدرتها على تقديم حلول ملموسة.

وشدد حزب "يونتس" خلال الأشهر الماضية على أنه لن يمنح دعمًا مفتوحًا للحكومة، فيما أظهرت الهزيمتان البرلمانيتان أن أي خلاف بين سانشيز وحلفائه قادر على إسقاط تشريعات حكومية مهمة، وهو ما يهدد بإبقاء مدريد داخل دائرة الأزمات السياسية المتكررة، خصوصًا مع غياب أغلبية مستقرة في مجلس النواب.

وأعادت التطورات كذلك ملف السكن إلى قلب المعركة الحزبية، بعدما تحولت أزمة ارتفاع أسعار المنازل والإيجارات إلى قضية تتجاوز الخلافات بين الحكومة والمعارضة، لتصبح اختبارًا لمدى قدرة الأحزاب على تقديم حلول عملية، بينما يرى المحتجون أن الحكومات المتعاقبة لم تتمكن من مواكبة الطلب المتزايد على السكن.