يعكس تحوّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى موقف أكثر ودية تجاه الصين تغيرًا ملحوظًا في الرأي العام. فمع ازدياد التباين السياسي، ينظر المزيد من الأمريكيين إلى الصين نظرة إيجابية. حيث تُظهر استطلاعات رأي أجرتها مؤسسات استطلاعات رأي رائدة، من بينها استطلاعان نُشرا هذا الأسبوع، تحسنًا ملحوظًا في صورة الصين لدى الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.
وحسب تحليل لصحيفة "نيويورك تايمز"، لا يزال الأمريكيون متشككين تجاه الصين، ولكن مع استقبال ترامب نظيره الصيني، شي جين بينج، استقبالًا حارًا في واشنطن، فإن هذا التقارب يعكس ما يراه بعض الخبراء رغبةً لدى الأمريكيين في علاقة أكثر استقرارًا مع بكين.
لا تُحدد الاستطلاعات أسباب هذا التحول، الذي يبدو أكثر وضوحًا بين الأمريكيين الشباب. لكن الخبراء يُشيرون إلى تلاشي ذكريات جائحة كورونا، والوعي بالابتكارات التكنولوجية الصينية، والاستياء من الحروب التجارية التي شنها ترامب، كعوامل تُسهم في تغيير المزاج العام، الأمر الذي قد يُؤثر على كيفية تعامل السياسيين الأمريكيين مع الصين.
تقارب وتعاون
تنقل "نيويورك تايمز" عن لورا سيلفر، المديرة المساعدة في مركز "بيو" للأبحاث، الذي نشر بيانات استطلاع، يوم الأربعاء، تُظهر أن 54% من الأمريكيين لديهم الآن نظرة "باردة" تجاه الصين، مقارنة بـ 68% في عام 2021، إن "هناك بالفعل هذا التقارب تجاه الصين، حتى وإن كانت الآراء لا تزال سلبية إلى حد ما".
كما رصد مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، وهو مركز أبحاث متخصص في دراسة وجهات نظر الولايات المتحدة في السياسة الخارجية، تحولًا ملحوظًا خلال العامين الماضيين فقط. فبحلول عام 2024، انخفضت نسبة الأمريكيين المؤيدين لـ"التعاون والتفاعل الودي مع الصين" إلى 40% فقط. ولكن عندما أعاد المجلس طرح السؤال في يوليو الماضي، ارتفعت هذه النسبة إلى 57%، بما في ذلك 68% من الديمقراطيين و43% من الجمهوريين، وفقًا لبيانات نُشرت هذا الأسبوع.
كما وجدت مؤسسة "جالوب"، في وقت سابق من هذا العام، أن نسبة الأمريكيين الذين لديهم نظرة إيجابية تجاه الصين قد ارتفعت إلى 34%، أي أكثر من ضعف أدنى مستوى لها في عام 2023.
وتشير جميع استطلاعات الرأي إلى تغير في المزاج العام مقارنةً بالعقد الماضي، حين أسهمت خطابات ترامب الحادة المناهضة للصين في فوزه بالرئاسة. الآن، تراجع هذا الإجماع، كما أوضح ترامب نفسه. فقد تراجع العام الماضي عن فرض تعريفات جمركية بلغت 145%، ساعيًا إلى ما بدا وكأنه مسعى للمصالحة مع الصين.
وقد تجلى ذلك في زيارته لبكين في أبريل، وفي الاستقبال الحافل المتوقع للرئيس شي هذا الأسبوع، كل ذلك دون أن تُقدّم بكين تنازلات كبيرة بشأن مطالب الولايات المتحدة القديمة المتعلقة بالتجارة أو الأمن.
تراجع أمريكا
تُظهر استطلاعات الرأي أن الجمهوريين ما زالوا أكثر تشددًا تجاه الصين من الديمقراطيين، على الرغم من أن نظرة الجمهوريين إلى الصين أصبحت أكثر إيجابية أيضًا، وربما يعكس ذلك تحولًا في موقف ترامب نفسه. وعلى الرغم من الاستقطاب الذي تشهده البلاد، فقد اتجه الديمقراطيون أيضًا في الاتجاه نفسه.
وتشير الصحيفة إلى أنه "من الممكن أن تتغير نظرة الأمريكيين إلى الصين سريعًا، لا سيما في ظل المخاوف من قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي وخطر نشوب نزاع مسلح حول تايوان".
ويشير خبراء استطلاعات الرأي إلى أن الأمريكيين عمومًا لا يولون اهتمامًا كبيرًا للسياسة الخارجية، ونادرًا ما يسمحون للقضايا الدولية بتحديد خياراتهم الانتخابية.
لكن الباحثين في العلاقات الأمريكية الصينية يرون أن نتائج استطلاعات الرأي تعكس تغيرًا في الديناميكية الجيوسياسية، وربما قلقًا بشأن مكانة الولايات المتحدة في العالم. ففي استطلاعات مؤسسة بيو ومجلس شيكاغو، يُظهر الشباب تفاؤلًا ملحوظًا تجاه الصين، ما يُعَد دليلًا على تحول جيلي.
ووفقًا لمجلس شيكاغو "قد يكون الشباب أكثر وعيًا بالابتكارات التكنولوجية والصادرات الثقافية الصينية، كما يتضح من انتشار مصطلح "Chinamaxxing" على الإنترنت". ويعني المصطلح اتجاه رائج على مواقع التواصل الاجتماعي يعبر عن تبني الشباب حول العالم لأنماط الحياة والثقافة اليومية الصينية إلى أقصى حد.
يضيف: "يتناقض هذا الوعي مع الشعور بتراجع مكانة الولايات المتحدة عالميًا؛ إذ يقول 62% من الأمريكيين إن بلادهم تحظى باحترام أقل في العالم اليوم مما كانت عليه قبل عشر سنوات".