الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

كابوس "الناتو" القادم.. انتخابات فرنسا تهدد بتمزيق الحلف

  • مشاركة :
post-title
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

بات انسحاب فرنسا من الهياكل العسكرية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) احتمالًا جديًا يُقلق قيادة الحلف، في ظل استطلاعات تكشف أن نحو نصف الناخبين الفرنسيين يدعمون مرشحين يجاهرون بمعارضة الالتزامات الفرنسية تجاه الحلف، وذلك قبل ثمانية أشهر من انتخابات رئاسية مصيرية، وفق ما رصدته صحيفة بوليتيكو الأمريكية.

فمع تراجع الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا في عهد دونالد ترامب، وتسابق الدول الأعضاء لتعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة التهديد الروسي المتصاعد، يجد الحلف نفسه أمام كابوس إضافي، وهو احتمال فقدان فرنسا، القوة النووية الوحيدة في الاتحاد الأوروبي، في أشد لحظات حاجته إلى التماسك.

نصف فرنسا ضد الناتو

وتطالب مارين لوبان، زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني المتشدد، التي تتصدر المشهد الانتخابي الفرنسي، صراحةً بانسحاب باريس من القيادة العسكرية المتكاملة للحلف، وهو موقف لم تكتفِ بإعلانه على المنابر الإعلامية، بل أكدته في اجتماع مغلق مع أحد كبار القادة العسكريين الفرنسيين مطلع العام الجاري، مُضيفةً أن فرنسا ستضطر في نهاية المطاف إلى استئناف الاتصالات مع روسيا، وفق مصدر مطلع نقلت عنه بوليتيكو.

وفي المقابل، يذهب المرشح اليساري جان-لوك ميلونشون إلى أبعد من ذلك، إذ يطالب بالانسحاب الكامل من الناتو، رافضًا ما وصفه بـ"العداء الصريح" في الموقف الأمريكي، قائلًا في مؤتمر عُقد في يونيو الماضي: "لا يمكن أن يُطرح على الإطلاق البقاء في عضوية الناتو". وتمنح هذا المشهد خطورةً مضاعفة استطلاعات داخلية أجراها الحلف، اطلعت عليها بوليتيكو، تكشف أن 54% فقط من الفرنسيين يؤيدون البقاء في الناتو، وهو ثاني أدنى معدل بين الـ32 دولة العضو بعد الجبل الأسود.

التاريخ يطرق الباب مجددًا

لم تكن علاقة فرنسا مع الناتو يومًا علاقة انسجام تام، إذ سبق لشارل ديجول عام 1966 أن أعلن انسحاب بلاده من القيادة العسكرية المتكاملة، طاردًا نحو 26 ألف جندي أجنبي ومُجبرًا الحلف على نقل مقره إلى بلجيكا، قبل أن تعود فرنسا إلى حظيرة الهياكل العسكرية عام 2009 في عهد نيكولا ساركوزي، غير أن المحللين يحذرون من أن تكرار هذا السيناريو في ظل رئيس متشدد قد يحمل نتائج أشد قسوة هذه المرة.

وقال فابريس بوتييه، الرئيس التنفيذي لمؤسسة راسموسن جلوبال والمسؤول السابق عن التخطيط السياسي في الناتو، لبوليتيكو: "سيكون من الحماقة الاعتقاد بأن ستكون هناك استمرارية"، مُشيرًا إلى أن الفرنسيين لم يكونوا يومًا من أكثر أعضاء الحلف حماسًا له، ما يجعل هذه القضية "ثمرةً سهل قطفها" في يد الشعبويين.

خسارة استراتيجية للحلف

حذر خبراء عسكريون من أن انسحاب فرنسا سيُفقد الناتو أصولًا عسكرية لا بديل عنها، فبحسب اللواء الفرنسي المتقاعد ميشيل ياكوفليف، نائب رئيس أركان المقر العسكري للحلف سابقًا، ستخسر المنظومة الوصول إلى حاملة الطائرات النووية الأوروبية الوحيدة، وأسطول المراسي من فئة ميسترال، وأقمار الاستخبارات سيريس، إضافةً إلى بحرية قادرة على نشر ما يُعادل 65% من أسطولها، وهو معدل يتجاوز حتى ما تُقدمه الولايات المتحدة.

وإلى جانب ذلك، ستتقلص الحصة الفرنسية البالغة 10% من الميزانية التشغيلية السنوية للحلف المُقدرة بـ5.3 مليار يورو، ويتهدد مستقبل المجموعة القتالية الفرنسية المؤلفة من 1200 جندي في رومانيا، فيما سيتضرر التعاون النووي غير الرسمي مع الحلف.

وأكد ياكوفليف لبوليتيكو أن الانسحاب سيُفضي أيضًا إلى "تداعيات ميزانياتية" جسيمة، مُختصرًا الأمر بقوله: "نحن لا نزال القوة الأكثر أهمية بعد أمريكا".

باريس تدفع الثمن وبرلين تملأ الفراغ

لن تكون فرنسا بمنأى عن تداعيات قرارها، إذ ستفقد باريس مناصب قيادية رفيعة داخل الحلف، من بينها منصب القائد الأعلى لتحويل الناتو، ونائب القائد في المقر الجوي، ورئيس الأركان في قاعدة برونسوم الهولندية.

وعلى صعيد التأثير، ستجد نفسها مُقيدة أمام مُقترحات عسكرية تُصاغ بعيدًا عنها، فلا تملك سوى "القبول أو الرفض"، وفق ما أوضحه ياكوفليف.

والأخطر من ذلك، بحسب ما تشير الصحيفة، أن تقليص تبادل المعلومات قد يرتد سلبًا على الاستخبارات الفرنسية ذاتها.

وفي هذا السياق، رصدت بوليتيكو تحذيرات دبلوماسية من أن ألمانيا ستكون المستفيد الأكبر من هذا التحول، إذ قال أحد الدبلوماسيين في الحلف: "إن خرجتَ، خسرتَ كل شيء"، فيما أشار جيمي شيا، المتحدث الأسبق باسم الناتو والزميل الأول في منظمة أصدقاء أوروبا، إلى أن هذا التحول نحو ألمانيا وبولندا بات واقعًا اقتصاديًا وسياسيًا متناميًا، والانسحاب الفرنسي لن يفعل سوى تسريعه.

صمود الحلف على المحك

تتقاطع هذه الأزمة مع لحظة بالغة الهشاشة في مسيرة الناتو، فبينما تتراجع واشنطن في عهد دونالد ترامب عن التزاماتها الدفاعية تجاه أوروبا، ويتسابق الأوروبيون لتعزيز قدراتهم الذاتية، يغدو انسحاب فرنسا، القوة النووية الوحيدة في الاتحاد الأوروبي، ضربةً مزدوجة لا يُستهان بها.

ولخص وزير الدفاع الفنلندي أنتي هاكانن الموقف لبوليتيكو بقوله إن الحلف يأمل أن تُدرك فرنسا "الفوائد طويلة الأمد للناتو القوي"، وأن تحافظ على انخراطها الكامل في هياكله، غير أن أحد دبلوماسيي الحلف أنهى حديثه مع بوليتيكو بجملة تُلخص حجم المخاوف: "سننجو.. لكنه سيكون خطيرًا جدًا جدًا".