في الأسابيع الأخيرة، كشف البيت الأبيض عن تسريب مستمر لمعلومات استخباراتية كانت مصنَّفة سابقًا حول التهديدات الخارجية للانتخابات وغيرها من الأمور، ما وفَّر للرئيس دونالد ترامب وحلفائه ذخيرة لنظريات المؤامرة التي لا أساس لها حول تزوير محتمل للأصوات.
لكن وثيقة حاسمة واحدة لم تكن من بين الوثائق التي تم نشرها، على الرغم من اشتراط الكونجرس أن تكون كذلك، وهي تقييم وكالات الاستخبارات الأمريكية لجهود التدخل الأجنبي خلال انتخابات عام 2024.
وتوفر الوثيقة نظرة شاملة على المحاولات الأجنبية للتأثير على الناخبين وبثّ الفرقة حول الانتخابات الرئاسية وغيرها من الانتخابات الفيدرالية في ذلك العام.
وسلطت نسخة عام 2020 من التقييم، التي صدرت خلال الأسابيع الأولى من إدارة بايدن، الضوء على جهود روسيا لدعم ترامب، ومساعي إيران للإضرار بترشيحه، بالإضافة إلى تحليلات حول الإجراءات التي فكرت الصين في اتخاذها، لكنها امتنعت عنها إلى حد كبير، كما تضمنت رأيًا مخالفًا مفاده أن الصين اتخذت "بعض الخطوات على الأقل" بهدف تقويض ترامب.
ووفق تحليل لصحيفة "نيويورك تايمز"، يُظهر إغفال التقرير المتعلق بانتخابات عام 2024 "الطبيعة الانتقائية الشديدة لنهج البيت الأبيض في عهد ترامب في ما يتعلق برفع السرية عن الوثائق"، كواحد من أمثلة عديدة تجاهلت فيها الإدارة ضغوطًا من الحزبين في الكونجرس، بما في ذلك المتطلبات القانونية، من خلال حجب بعض الوثائق عن الرأي العام، حتى مع نشرها مئات الصفحات من المواد التي وعدت بأنها ستكشف عن عمليات التستر التي تقوم بها الدولة العميقة على جهود التدخل الأجنبي.
صورة غير كاملة
يُعدُّ انتقاء المعلومات الاستخباراتية التي يُفصَح عنها من صلاحيات أي رئيس أمريكي، وهو تقليدٌ يتبعه الرؤساء منذ وضع نظام التصنيف الحديث خلال إدارتي ترومان وأيزنهاور، لكن ترامب استغلّ هذا النظام سياسيًا بشكلٍ غير مسبوق خلال ولايته الثانية، وبدا أن قرارات الرئيس برفع السرية عن المعلومات "مرّت دون رقابة تُذكر"، ويبدو أنها "مدفوعةٌ في المقام الأول بأجندات سياسية وانتقامية".
ويلفت التحليل إلى أن الإدارة الأمريكية لم تُقدّم أي تفسير علني لسبب عدم نشر ملف انتخابات عام 2024، على الرغم من تعهّد ترامب في الأسابيع الأخيرة بحماية الانتخابات من التهديدات الخارجية والداخلية.
وفي إطار هذه الجهود، عيّن حليفه، الصحفي المحافظ جون سولومون، موظفًا حكوميًا خاصًا مسؤولًا عن الإشراف على رفع السرية عن التقارير الاستخباراتية المتعلقة بنزاهة الانتخابات، من بين أمور أخرى.
خلال خطاب ألقاه ترامب في وقت الذروة الشهر الماضي، استعرض فيه الوثائق التي سيتم نشرها، قال إنه سيكشف للجمهور عن معلومات استخباراتية "تكشف عن ثغرات صادمة في بنيتنا التحتية الانتخابية"، وادعى -بأدلة ضئيلة- أن مسؤولين أمريكيين تورطوا في "تستر" لإخفاء مدى جهود الصين للتأثير على الانتخابات الأمريكية.
ولم تكشف الوثائق، التي خضعت لتنقيح مكثف، عن نقاط ضعف جديدة جوهرية في الأنظمة الانتخابية للبلاد، أو تُظهر أن حكومات أجنبية تلاعبت بأي أصوات، بل تركزت عمليات النشر على مواد تعيد تكرار معلومات نُشرت قبل سنوات حول انتخابات 2020 التي خسرها ترامب، مع إخفاء معلومات جديدة عن انتخابات 2024 التي فاز بها.
وكانت وثائق تم رفع السرية عنها خلال إدارة بايدن كشفت لوائح اتهام فيدرالية في اتهامات لكل من روسيا وإيران بالانخراط في عمليات تأثير عدوانية في عام 2024، ووُجِّهت اتهامات لإيرانيين باختراق حملة ترامب الانتخابية وتسريب مواد مسروقة إلى وسائل إعلامية مختلفة في محاولة للإضرار بفرصه في العودة إلى البيت الأبيض.
كما اتهمت وزارة العدل ووكالات أخرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمحاولة دعم ترامب مجددًا، من خلال استهداف الولايات المتحدة بمعلومات مضللة، بما في ذلك تحويل 10 ملايين دولار سرًا إلى مؤسسة إعلامية ناشئة ذات توجه محافظ.
مع هذا، فإن تلك الكشوفات كانت متفرقة، ولا تقدم صورة كاملة لما حدث من تدخل أجنبي.
إخفاء وتصنيف
عقب التدخل الروسي المزعوم في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، أقرّ الكونجرس عددًا من القوانين بهدف حماية الشعب الأمريكي من محاولات التأثير الأجنبي على الناخبين، وشمل ذلك اشتراطاتٍ لزيادة الشفافية مع المشرّعين والجمهور من جانب أجهزة الاستخبارات الوطنية بشأن المعلومات الاستخباراتية التي جُمعت حول طموحات القوى الأجنبية المتعلقة بالانتخابات الفيدرالية.
وفي رسالةٍ وُجّهت في يوليو، حثّ الديمقراطيون في لجنة الاستخبارات بمجلس النواب مديرة الاستخبارات الوطنية بالنيابة آنذاك بيل بولت، على رفع السرية عن تقرير انتخابات عام 2024 ونشر نسخة منقحة منه.
وينص القانون المعني على ضرورة نشر التقرير علنًا في غضون 60 يومًا من انتهاء دورة الانتخابات الفيدرالية "بأقصى قدر ممكن" مع الحفاظ على سرية المصادر والأساليب.
لكن حتى الآن لم تُقدّم إدارة ترامب إلى الكونجرس التقرير المطلوب قانونًا، والذي يُحدّد التهديدات الاستخباراتية الأجنبية لانتخابات التجديد النصفي لعام 2026.
وجاء في الرسالة أن "مجتمع الاستخبارات ينتهك حاليًا العديد من القوانين المصممة لضمان فهم الكونجرس للنطاق الكامل لخطط ونوايا الخصوم الأجانب في هذه الدورة"، بالإضافة إلى جهود الإدارة لمكافحة تلك التهديدات.
وفي محاولة للضغط على إدارة ترامب بشأن هذه المسألة، أقرت لجنة الاستخبارات مؤخرًا تعديلًا صاغه النائب جيسون كرو، وهو ديمقراطي من ولاية كولورادو، يقضي بحجب جزء من التمويل عن مكتب مدير الاستخبارات الوطنية إلى حين استلام الكونجرس للتقرير.
وأُلحق هذا التعديل بمشروع قانون تفويض الاستخبارات السنوي، وهو تشريع لا بد من إقراره ولا يزال قيد النظر في الكونجرس.
لكن إدارة ترامب استخدمت مبررات "التصنيف" في حالات أخرى، فقد رفض البنتاجون نشر الفيديو الكامل لضربة استهدفت قاربًا يقلّ مهربين مشتبه بهم في منطقة الكاريبي، حيث أظهرت لقطات طائرة مُسيَّرة القارب وهو يُصاب بصاروخ أمريكي، ما أسفر عن نجاة شخصين من غرق السفينة، قبل أن تُصيبهما ضربة صاروخية ثانية فتُودي بحياتهما.
وفي الربيع، حثّ قادة لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، من الحزبين، مكتب مدير الاستخبارات الوطنية على نشر حكم قضائي سري صدر في مارس عن محكمة مراقبة الاستخبارات الأجنبية، وذلك في إطار صفقة تضمن تمديدًا قصير الأجل لقانون التجسس.
ولا يزال الحكم، الذي يُقال إنه انتقد وكالات الاستخبارات الأمريكية بشأن كيفية تحليلها لبعض الاتصالات المُعترضة، سريًا.