تشير تقديرات علمية في المملكة المتحدة إلى أن تغير المناخ يضع البلاد أمام تحديات متصاعدة في إدارة موارد المياه، وسط تحذيرات من أن استمرار الاتجاهات الحالية قد يؤدي إلى نقص واسع في إمدادات المياه، مع انعكاسات مباشرة على الاقتصاد والزراعة والحياة اليومية خلال العقود المقبلة.
سيناريو مقلق
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية، فإن سيناريوهات كانت تُعد قبل سنوات بعيدة الاحتمال أصبحت اليوم جزءًا من خطط الطوارئ الرسمية، في ظل ارتفاع درجات الحرارة، وتراجع الموارد المائية، وتزايد الضغوط على البنية التحتية لقطاع المياه.
ويرسم التقرير صورة لبريطانيا في عام 2053، حيث تتكرر انقطاعات المياه في جنوب إنجلترا، وتجف بعض الأنهار، فيما تواجه البلاد ضغوطًا متزايدة على الإنتاج الزراعي وإمدادات الغذاء.
ووفق تقرير الصيحفة، يرى عدد من علماء المناخ والمهندسين أن هذا السيناريو لم يعد مجرد افتراض نظري، بل احتمالًا واقعيًا إذا استمرت الاتجاهات المناخية الحالية دون اتخاذ إجراءات فعالة.
وتشير البارونة براون، عضو لجنة تغير المناخ البريطانية، إلى أن البلاد قد تواجه بحلول خمسينيات القرن الحالي عجزًا يقدر بنحو خمسة مليارات لتر من المياه يوميًا.
ويحذر الخبراء من أن هذا العجز سيؤثر في الزراعة والأمن الغذائي والاقتصاد، كما سيزيد الضغوط الاجتماعية ويعقّد إدارة الموارد الأساسية.
مؤشرات مبكرة
ويرى التقرير أن بوادر الأزمة ظهرت بالفعل خلال الأعوام الأخيرة، مع انخفاض مستويات المياه في عدد من الخزانات الرئيسية في البلاد.
وتراجع منسوب خزان وودهيد في ديربيشاير إلى نحو نصف سعته، بينما كاد خزان بايتنجز في غرب يوركشاير أن يجف، كما فقد خزان هاوس ووتر في كمبريا أكثر من نصف مخزونه.
ودفعت هذه التطورات شركات المياه إلى إعداد خطط طوارئ لمواجهة موجات الجفاف، في مؤشر على أن الأزمة لم تعد قضية مستقبلية فحسب، كما سبق أن حذر وزير البيئة البريطاني السابق ستيف ريد من أن كثيرًا من المواطنين لا يدركون حجم أزمة المياه التي تواجهها البلاد.
سباق مع الزمن
يرى البروفيسور محمد وكيل شهزاد، من جامعة نورثمبريا، أن أمام بريطانيا سنوات قليلة فقط لاتخاذ إجراءات حاسمة لتجنب تفاقم أزمة المياه، مؤكدًا أن تطوير حلول جديدة لإدارة الموارد المائية أصبح ضرورة ملحة، محذرًا من أن التأخر في التحرك سيجعل التحديات أكثر تعقيدًا وكلفة.
ويتساءل تقرير صحيفة "ذا تليجراف" عما إذا كانت الإجراءات الحالية كافية لمواجهة الأزمة، أم أن الوقت بدأ ينفد أمام صناع القرار، ليخلص إلى أن الحد من المخاطر يتطلب تحركًا سريعًا يجمع بين الابتكار والاستثمار وتغيير أنماط استهلاك المياه.
خطط طوارئ
وضعت الحكومة البريطانية وشركات المياه خططًا للتعامل مع سيناريوهات الجفاف الحاد، تتضمن تقنين استهلاك المياه وفرض قيود واسعة على التوزيع.
وتمنح التشريعات الحكومة صلاحيات إصدار أوامر طوارئ تقضي بقطع المياه بالتناوب عن مناطق مختلفة عند الضرورة، على أن تُوزع المياه عبر نقاط عامة، بينما تتولى الشرطة وخدمات الطوارئ والجيش تنظيم عمليات التوزيع والحفاظ على النظام.
وبموجب هذه الخطط، سيقتصر نصيب الفرد على نحو 20 لترًا من المياه يوميًا، وهو جزء محدود من متوسط الاستهلاك الحالي في المملكة المتحدة.
وتعطي الخطط أولوية توفير المياه للمنازل والمستشفيات ودور الرعاية، فيما تتحمل الأنشطة الاقتصادية والزراعية الجزء الأكبر من القيود.
ويتوقع التقرير أن تتعرض المحاصيل الزراعية لخسائر كبيرة، مع الحفاظ على الحد الأدنى من المياه اللازمة لاستمرار الثروة الحيوانية.
ويستشهد التقرير بما حدث في مدينة تونبريدج ويلز، عندما أدى انقطاع المياه إلى تعطيل الحياة اليومية واضطرار السلطات إلى نقل مرضى غسيل الكلى إلى مستشفيات أخرى.
خسائر اقتصادية
يحذر التقرير من أن آثار نقص المياه لن تقتصر على المنازل، بل ستمتد إلى مختلف قطاعات الاقتصاد البريطاني، إذ يشير المعهد المعتمد لإدارة المياه والبيئة إلى أن الأزمة قد تكلف الاقتصاد نحو 25 مليار جنيه إسترليني خلال السنوات الخمس المقبلة نتيجة تعطل مشروعات البناء.
وتُعد مناطق شرق أنجليا وميدلاندز وجنوب شرق إنجلترا الأكثر عرضة لمخاطر نقص المياه، بينما تسجل منطقة شرق أنجليا معدلات استهلاك أقل نسبيًا بفضل انتشار عدادات المياه واعتماد السكان بشكل أكبر على ترشيد الاستخدام.
كما يلفت التقرير إلى أن شبكات المياه البريطانية تفقد نحو 2.8 مليار لتر يوميًا بسبب التسربات، وهو ما يمثل أحد أكبر مصادر الهدر، ويرى خبراء أن خفض هذه الكمية إلى النصف من شأنه تقليص جانب كبير من العجز المتوقع في الإمدادات.
وفي إطار جهود تعزيز الأمن المائي، تعهدت شركات المرافق بإنشاء عشرة خزانات جديدة بحلول عام 2050، بعد عقود من غياب المشروعات الكبرى لتخزين المياه.
ومن المتوقع أن توفر هذه المشروعات مئات الملايين من اللترات يوميًا، إلا أن التقرير يؤكد أنها لن تكون كافية بمفردها لسد الفجوة المتوقعة في الإمدادات المائية.