لم يمضِ شهر كامل على احتفال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بما وصفه "سلامًا في الشرق الأوسط لأول مرة منذ 3000 عام"، حتى أعلن انهيار وقف إطلاق النار مع إيران، كاشفًا عن أزمة دبلوماسية عميقة خلفها اتفاق متسرع بلا أسس راسخة، هكذا رصدت صحيفة "نيويورك تايمز" مشهدًا يجد فيه ترامب نفسه محاصرًا بخيارات لا يُريح أيٌ منها.
سلام على الورق
كشفت "نيويورك تايمز" عن أن وقف إطلاق النار الذي أعلن ترامب انتهاءه لم يكن سوى "مذكرة تفاهم" من 14 فقرة، جُمِعت على عجل حتى يتمكن الرئيس الأمريكي من إعلان صفقة، أي صفقة.
وأغفل الاتفاق القضايا الجوهرية كافة، إذ لم يتطرق إلى مصير المخزون الإيراني من الوقود النووي عالي التخصيب، الذي كان المبرر الأبرز للهجوم الأمريكي في فبراير الماضي، ولا إلى الترسانة الصاروخية التي تمثل الهاجس الأكبر لإسرائيل، ولا إلى دعم طهران للجماعات المسلحة أو قمعها لشعبها.
علاوة على ذلك، تضمن الاتفاق وقف إطلاق نار في لبنان دون أن يكون حزب الله أو إسرائيل طرفًا فيه، فيما حدد مهلة 60 يومًا لحل ملفات عجز عنها أشهر من القتال المتواصل.
هرمز.. ورقة طهران الأقوى
منح الاتفاق إيران، وتحديدًا الحرس الثوري، قدرًا من السيطرة على مضيق هرمز، ذلك الممر الحيوي الذي تمر عبره نحو 130 سفينة يوميًا في ظروف اعتيادية، بحسب الصحيفة الأمريكية.
ووظفت طهران هذه السيطرة ذريعةً لمهاجمة الناقلات وسفن الشحن التي لا تلتزم بمساراتها المستحدثة.
وأوضح الأدميرال المتقاعد كيفن دونيجان، القائد البحري الأمريكي السابق في المنطقة، أن إيران "تسعى لفرض سيادتها على المضيق معتبرةً ذلك حقًا سياديًا، وهذه ورقتها الأقوى التي ستواصل استخدامها لتعطيل أي حركة ملاحية لا تسير وفق قواعدها".
خيارات ترامب العسيرة
لوح ترامب بعمليات عسكرية واسعة، على هامش قمة حلف شمال الأطلسي "ناتو" في أنقرة، في مقدمتها الاستيلاء على جزيرة خرج الإيرانية، المنفذ الرئيسي لصادرات النفط، إلى جانب استهداف البنية التحتية ومحطات التحلية، وإن أبدى تحفظًا على الأخيرة التي حذر خبراء من أن ضربها قد يُشكل جريمة حرب، غير أن ترامب نفسه أكد أنه لا يتوقع العودة إلى حرب شاملة، في ظل معارضة شعبية داخلية وقلق من حلفائه الجمهوريين الذين يخشون تداعياتها الاقتصادية والسياسية قُبيل انتخابات التجديد النصفي بأقل من أربعة أشهر.
أما خيار إعادة الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، فسبق أن أثبت محدوديته إذ لم يُفضِ إلى الانهيار الاقتصادي الذي توقعه الرئيس الأمريكي.
ويبقى خيار ثالث قائمًا وهو القبول بحالة "لا حرب لا سلام"، مع اشتباكات متقطعة في الخليج وتراجع حاد في حركة الملاحة.
فاتورة باهظة ووعود تتهاوى
رصدت "نيويورك تايمز" تناقضات لافتة في خطاب ترامب، فبعد أن وصف القيادة الإيرانية الجديدة بـ"المعقولة" وأشاد بالمرشد الجديد مجتبى خامنئي، عاد في أنقرة ليصفها بـ"الحثالة" و"الأشخاص المرضى العنيفين".
وكان نائبه جي دي فانس أشاد في مراسم التوقيع بجنيف بما وصفه تحولًا في الموقف الإيراني نحو التعاون، قبل أن تنهار تلك الصورة في غضون أسابيع.
وتخطى الإنفاق العسكري الأمريكي 70 مليار دولار، في مقابل وعود البيت الأبيض بحسم "في أربعة إلى ستة أسابيع".
ويلفت ريتشارد فونتين، الرئيس التنفيذي لمركز الأمن الأمريكي الجديد والمساعد السابق للسيناتور جون ماكين، إلى أن "جميع الخيارات -من التحمل أو التصعيد أو الاتفاق- غير جذابة بأشكال مختلفة"، متوقعًا "تأرجحًا طويلًا بين حرب باردة وحرب ساخنة محدودة، تتخللها جولات من الدبلوماسية المحمومة وهشاشة متكررة في وقف إطلاق النار".