الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

كنوز مملوكية.. كشف أثري جديد لنظام مائي بقلعة صلاح الدين في القاهرة

  • مشاركة :
post-title
الكشف عن نظام مائي متكامل وبقايا مسجد مملوكي بمحيط قلعة صلاح الدين الأيوبي

القاهرة الإخبارية - محمد أبوعوف

كشفت بعثة مصرية فرنسية مشتركة عن نظام مائي متكامل يرجع إلى العصر المملوكي بمنطقة عرب اليسار، وبقايا مسجد من العصر المملوكي بمنطقة الحطابة، الواقعتين في محيط قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة.

وأعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، في بيان، أن الكشف جاء خلال أعمال البعثة ضمن مشروع علمي مشترك يُنفذ في منطقتين رئيسيتين بمحيط القلعة، هما عرب اليسار والحطابة، في إطار برنامج أوسع لدراسة وتوثيق وإعادة تأهيل المناطق التاريخية المحيطة بالقلعة.

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، أن هذه الاكتشافات تمثل إضافة نوعية لفهم البنية العمرانية والوظيفية لمنطقة القلعة عبر العصور الإسلامية، وتؤكد ما تمتعت به من أهمية استراتيجية وحضارية كبرى، باعتبارها قلب الحكم والإدارة في مصر لقرون طويلة.

وأضاف أن هذه الاكتشافات تأتي في إطار الجهود التي تبذلها الوزارة للحفاظ على التراث الحضاري المصري وإبراز القيمة التاريخية للقاهرة التاريخية، مشيرًا إلى أن الاكتشافات الجديدة تسهم في إثراء المعرفة بتاريخ المدينة القديمة، وتدعم خطط تطوير المواقع الأثرية وإدماجها ضمن مسارات منتج السياحة الثقافية في القاهرة.

نظام مائي ذكي من العصر المملوكي

أوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن البعثة، خلال أعمالها في منطقة عرب اليسار، كشفت عن نظام مائي متكامل يرجع إلى العصر المملوكي، يُعد من أهم نظم إمداد القلعة بالمياه، حيث أسفرت أعمال الحفائر عن الكشف عن بئرين ضخمين لتخزين ورفع المياه، يرتبط كل منهما بمنظومة من السواقي لرفع المياه من المستويات السفلية إلى العليا.

ويبلغ عمق البئر الأول نحو 10 أمتار، بينما يصل عمق الثاني إلى 8 أمتار، ولا تزال أعمال الحفائر مستمرة بداخلهما للوصول إلى صهاريج التخزين السفلية. وشُيد البئران باستخدام كتل حجرية ضخمة، يعلوهما بقايا نظام متكامل من السواقي يتمثل في 4 سواقٍ دوارة وشبكة من المجاري الحجرية التي كانت تنقل المياه إلى داخل القلعة، في امتداد مباشر لمنظومة سور مجرى العيون.

وأضاف أنه تم الكشف أيضًا عن مجموعة من العناصر المعمارية والخدمية المرتبطة بتشغيل هذا النظام، من بينها مسارات حركة الدواب المستخدمة في إدارة السواقي، وغرف لإيوائها، ومخازن للأعلاف، وأحواض لسقي الحيوانات، فضلًا عن عدد من الأرضيات الحجرية المتنوعة، مما يعكس مستوى متقدمًا من التخطيط الهندسي وإدارة الموارد المائية خلال العصر المملوكي.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار المصري أن هذه الاكتشافات تكتسب أهمية خاصة؛ لكونها تكشف للمرة الأولى تفاصيل الجزء الأخير من المنظومة الهيدروليكية المرتبطة بسور مجرى العيون، وهو جزء لم تتناوله المصادر التاريخية المعروفة، الأمر الذي يفتح آفاقًا جديدة لدراسة تطور هذا المشروع الهندسي الفريد ومراحله المختلفة.

بقايا مسجد ومقابر أثرية في الحطابة

أما في منطقة الحطابة، فأشار، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية بالمجلس الأعلى للآثار، الدكتور ضياء زهران، إلى أن أعمال الحفائر أسفرت عن الكشف عن بقايا مسجد يرجع إلى العصر المملوكي، شملت إيوان القبلة والمحراب، وأجزاء من الرواق الجنوبي الغربي، بالإضافة إلى أجزاء من الأرضيات الحجرية الخاصة به.

كما تم الكشف عن غرفة دفن مرتبطة بالمسجد، إلى جانب مجموعة من المقابر التي تعود إلى فترات إسلامية مختلفة وتضم بقايا عظام آدمية، فضلًا عن مقبرة يُرجح تأريخها إلى العصر الإسلامي المبكر، بما يسهم في فهم أعمق للتسلسل التاريخي والعمراني للمنطقة.

وشملت أعمال البعثة كذلك توثيقًا علميًا متكاملًا للمنطقة باستخدام أحدث التقنيات الرقمية، من بينها إعداد نماذج ثلاثية الأبعاد لعدد من المنشآت الأثرية، وعلى رأسها الخانقاة النظامية، حيث تم الكشف عن أجزاء جديدة منها، بالإضافة إلى عدد من المقابر التي تعود إلى العصرين المملوكي والعثماني داخل نطاقها.

عملات تاريخية ثمينة

كما عثرت البعثة على مجموعة متميزة من اللقى الأثرية، من بينها قواديس فخارية كانت تُستخدم في رفع المياه، وعملات معدنية تعود إلى العصرين المملوكي والعثماني، فضلًا عن مجموعة من الأدوات المرتبطة بالحياة اليومية خلال القرنين الـ18 والـ19 الميلاديين، تشمل حليًا وأختامًا معدنية وعملات وبقايا أسلحة.

ومن جانبه، وصف مدير المعهد الفرنسي للآثار الشرقية، الدكتور بيير تاليه، هذه البعثة بأنها نموذج رائد للتعاون العلمي الدولي في مجال الآثار الإسلامية، مؤكدًا أن أعمال الحفائر في مدينة القاهرة التاريخية تسهم بشكل كبير في الكشف عن جوانب جديدة من تاريخها الحضاري الغني، وتعكس اهتمام المعهد الفرنسي بتنفيذ بعثات متخصصة في الآثار الإسلامية بالقاهرة.

وأضاف أن هذه الاكتشافات تُعد من أبرز الأدلة الأثرية على تطور نظم البنية التحتية وإدارة المياه في القاهرة التاريخية، وتعكس مستوى متقدمًا من التخطيط العمراني والهندسي الذي شهدته المدينة خلال العصور الإسلامية.