الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

كيف تنعكس قمة ترامب-شي على مستقبل توازنات الشرق الأوسط الدولية؟

  • مشاركة :
post-title
الرئيسان الأمريكي والصيني في بكين

القاهرة الإخبارية - د. محمد أبو سريع

جاءت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين (من 13 إلى 15 مايو 2026) في لحظة دولية شديدة الحساسية، تتشابك فيها أزمات الاقتصاد العالمي والتنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى وتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث تتصاعد أهمية الشرق الأوسط باعتباره مركزًا حاكمًا للطاقة والممرات البحرية والتوازنات الأمنية الدولية.

فهذه الزيارة لم تكن مجرد محطة ثنائية لتحسين العلاقات الأمريكية الصينية، بل حملت أبعادًا إستراتيجية تشمل مستقبل النظام الدولي بأسره، وهنا تتجلى أهمية رصد تأثير ذلك على إقليم الشرق الأوسط الذي أصبح أحد أهم ساحات اختبار النفوذ بين واشنطن وبكين خلال السنوات الأخيرة.

وفي هذا السياق، تُثار عدة تساؤلات مثل: ما موقع إقليم الشرق الأوسط في منظور كل من الولايات المتحدة والصين نحو إعادة ترتيب النظام الدولي؟ وهل يمكن أن يتحول الإقليم إلى ساحة أكثر تعقيدًا للصراع الدولي؟ وما حدود تأثير ذلك على ملفات وقضايا الإقليم التي ترتبط بإيران والخليج والطاقة؟ وكيف تتفاعل دول الإقليم مع التوازنات الدولية الجديدة بين واشنطن وبكين؟

إدراك القطبين للشرق الأوسط

تأتي زيارة ترامب الأخيرة إلى بكين في سياق إعادة ترتيب النظام الدولي وفقًا لتفاهمات أمريكية صينية، وهو الأمر الذي يوضح أهمية الوقوف على طبيعة إدراك كل من الولايات المتحدة والصين لموقع الشرق الأوسط في معادلة إعادة هذا الترتيب، وذلك على النحو التالي:

(*) رؤية القطبين لموقع الشرق الأوسط في إعادة ترتيبات النظام الدولي: تعكس زيارة ترامب للصين إدراكًا أمريكيًا بأن مرحلة "القطب الأوحد" أصبحت أكثر صعوبة في ظل الصعود الصيني المتسارع اقتصاديًا وتكنولوجيًا وعسكريًا، ومن ثم فإن واشنطن تبدو حريصة على منع تحول التنافس مع بكين إلى مواجهة مفتوحة قد تُربك الاقتصاد العالمي وتُضعف القدرة الأمريكية على إدارة ملفات أخرى أكثر إلحاحًا، وعلى رأسها الشرق الأوسط.

وفي المقابل، تدرك الصين أن استقرار الشرق الأوسط يمثل مصلحة إستراتيجية مباشرة لها، باعتبارها أكبر مستورد للطاقة في العالم، فضلًا عن ارتباط المنطقة بمبادرة "الحزام والطريق" الصينية، وبمشروعات الموانئ والبنية التحتية والاستثمارات الممتدة من الخليج حتى شرق المتوسط.

(*) الشرق الأوسط كساحة لإدارة التنافس الإستراتيجي: خلال العقد الأخير، تحولت الصين من مجرد شريك اقتصادي لدول الشرق الأوسط إلى لاعب سياسي ودبلوماسي متزايد التأثير، وهو ما ظهر في رعايتها للتقارب السعودي الإيراني سابقًا، وتوسيع حضورها في ملفات الطاقة والموانئ والاتصالات، لكن زيارة ترامب للصين توحي بأن واشنطن تسعى لاحتواء هذا التمدد دون الوصول إلى القطيعة الكاملة مع بكين.

فالإدارة الأمريكية تدرك أن الضغط المفرط على الصين قد يدفعها إلى تعزيز تحالفاتها مع خصوم واشنطن في المنطقة، وعلى رأسهم إيران وروسيا، لذلك قد تشهد المرحلة المقبلة نمطًا جديدًا من "التنافس المنضبط"، حيث تحاول كل قوة توسيع نفوذها دون كسر التوازن الإقليمي بصورة كاملة، وهو ما يعني أن الشرق الأوسط قد يصبح ساحة لتقاسم النفوذ النسبي بدلًا من كونه ساحة صدام مباشر.

وإجمالًا، فإن الزيارة تعكس محاولة متبادلة لوضع قواعد اشتباك جديدة بين القوتين العظميين، بما يمنع الانزلاق إلى صدام شامل ويُبقي مساحة للتفاهمات المرحلية، خاصة في الملفات التي تهدد الاستقرار العالمي، وفي القلب منها ما يرتبط بالشرق الأوسط.

قضايا الإقليم الملحَّة

يمكن تحديد موقع قضايا وملفات الشرق الأوسط في مباحثات الرئيسين الأمريكي والصيني، حيث تبرز القضايا الملحة التالية:

(-) ملف إنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما ارتبط بها تهديدات لأمن الخليج: تمثل إيران أحد أهم الملفات التي تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والصينية، فبكين ترتبط بعلاقات اقتصادية وإستراتيجية واسعة مع طهران، لكنها في الوقت ذاته لا ترغب في اندلاع حرب إقليمية شاملة تهدد إمدادات الطاقة والتجارة الدولية، فمن المحتمل أن تكون زيارة ترامب قد تضمنت تفاهمات غير معلنة تتعلق بدور صيني محتمل في تهدئة التوتر مع إيران أو احتواء التصعيد في الخليج، كما قد تسعى واشنطن إلى استخدام النفوذ الصيني للضغط على طهران من أجل ضبط سلوكها الإقليمي أو العودة لمسارات تفاوضية جديدة.

(-) ملف الطاقة والممرات البحرية في قلب التفاهمات الأمريكية الصينية: لا يمكن فهم زيارة ترامب للصين بعيدًا عن الصراع على أمن الطاقة والممرات البحرية الدولية، فالشرق الأوسط لا يزال يمثل الشريان الرئيسي لإمدادات النفط والغاز العالمية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اضطراب الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر وشرق المتوسط.

وفي هذا الإطار، قد تسعى واشنطن وبكين إلى قدر من التنسيق غير المباشر لضمان استقرار طرق التجارة العالمية، خاصة أن أي تصعيد واسع في المنطقة سيضر بالاقتصادين الأمريكي والصيني معًا، لكن هذا لا ينفي استمرار التنافس بين الطرفين على النفوذ داخل الموانئ والمشروعات اللوجستية والبنية التحتية الرقمية في المنطقة، وهي ملفات ستظل جزءًا أساسيًا من معادلة الصراع الدولي المقبلة.

تفاعل دول الإقليم مع التوازنات الجديدة

يتمثل أحد أهم نتائج الزيارة في أنها قد تعزز قناعة دول الشرق الأوسط بأن العالم يتجه نحو نظام دولي أكثر تعددية سواء في إطار نظام ثنائي القطب (الولايات المتحدة والصين) أو نظام متعدد الأقطاب، بما يتيح هامشًا أوسع للحركة والمناورة السياسية، وهو الأمر الذي قد تتجه معه العديد من دول الإقليم خاصة دول الخليج، نحو تبني سياسة "تنويع الشراكات" مع مختلف تلك التعددية، بحيث تحافظ على علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه توسع تعاونها الاقتصادي مع الصين.

لذلك سوف تصبح العديد من دول الإقليم أكثر ميلًا إلى تبني سياسات توازن بين القوى الكبرى، بدلًا من الارتهان الكامل لقطب دولي واحد، كما أن تصاعد الدور الصيني يمنح هذه الدول فرصًا إضافية لجذب الاستثمارات والتكنولوجيا والتعاون الاقتصادي.

غير أن هذا التوازن يظل هشًا، لأن أي تصعيد أمريكي صيني مستقبلي قد يفرض على بعض دول المنطقة اتخاذ مواقف أكثر وضوحًا، خاصة في الملفات الأمنية والعسكرية والتكنولوجية.

في النهاية، تكشف زيارة ترامب الأخيرة للصين أن الشرق الأوسط سيظل أحد أهم ميادين إعادة تشكيل النظام الدولي خلال السنوات المقبلة، فالمنطقة لم تعد مجرد ساحة نزاعات إقليمية فحسب، بل أصبحت محورًا رئيسيًا في التنافس والتفاهم بين القوى الكبرى.

كما تشير الزيارة إلى أن مستقبل التوازنات الدولية في الشرق الأوسط قد يتجه نحو صيغة تقوم على "التنافس المنضبط" بين الولايات المتحدة والصين، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الحسابات الأمنية والاستراتيجية.

وفي ظل هذه التحولات، تبدو دول الاقليم مطالبة بإدارة علاقاتها الدولية بقدر أكبر من المرونة والبراجماتية، بما يسمح لها بتحويل التنافس الدولي إلى فرصة لتعزيز مصالحها، بدلًا من أن تظل ساحة مفتوحة لصراعات القوى الكبرى.