بتصويت كشف عمق الانقسام السياسي حول أعرق البنوك المركزية في العالم، أقر مجلس الشيوخ الأمريكي تعيين كيفن وارش رئيسًا للاحتياطي الفيدرالي ليخلف جيروم باول، بفارق لم يشهده البنك منذ عقود، فيما يتزامن هذا القرار مع بيانات تضخمية قاتمة وتوترات غير مسبوقة بين البيت الأبيض والبنك المركزي الأمريكي، ما يجعل المرحلة المقبلة من أشد الاختبارات التي واجهها الاحتياطي الفيدرالي في تاريخه الحديث.
تصويت تاريخي
أجاز مجلس الشيوخ تعيين "وارش" بـ54 صوتًا مقابل 45، وهو هامش وصفته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، بأنه الأضيق منذ أن باتت الموافقة على رئيس البنك المركزي مشروطة بموافقة الكونجرس في عام 1977.
وصوَّت جميع أعضاء الحزب الجمهوري لصالحه، فيما انضم إليهم ديمقراطي وحيد هو سيناتور بنسلفانيا جون فيترمان، في حين غابت السيناتورة كيرستن جيليبراند عن الجلسة.
تكشف هذه الأرقام مفارقة صارخة حين تُقارن بسلفه باول، الذي نال ما لا يقل عن 80 صوتًا في كل من تعيينيه، أو بجانيت يلين التي حصدت 56 صوتًا عام 2014 رغم غياب عدد من الشيوخ بسبب الأحوال الجوية.
مصرفي صنعته الأزمات وانتقد من داخل المنظومة
لا يأتِ الرجل البالغ من العمر 56 عامًا من فراغ، إذ كشفت "وول ستريت جورنال" أنه بدأ مسيرته مصرفيًا في "مورجان ستانلي" قبل أن يُصبح أصغر محافظ في تاريخ الاحتياطي الفيدرالي، حين عينه الرئيس جورج دبليو بوش عام 2006 وعمره 35 عامًا.
وخلال الأزمة المالية 2008، كان في قلب صفقات الإنقاذ التي أبعدت المصارف الكبرى عن الانهيار، غير أنه ما لبث أن غادر منصبه عام 2011 ناقدًا للتوسع الذي انتهجه البنك في دعم الأسواق المالية.
انضم بعدها إلى معهد هوفر بجامعة ستانفورد، وعمل شريكًا في مكتب المستثمر الأسطوري ستانلي دراكنميلر، وكان سعى إلى المنصب ذاته خلال ولاية ترامب الأولى، لكنه خسره لصالح باول.
وحين ضرب وباء كورونا العالم، أطلق "وارش" تحذيرات مبكرة من أن السياسات الداعمة للاقتصاد ستُفضي إلى تضخم حاد، وهو ما تحقق لاحقًا بدقة مثيرة.
مسار شائك
لم تكن رحلة التعيين سلسة، فوفقًا لما رصدته كل من صحيفتي"فايننشال تايمز" البريطانية و"وول ستريت جورنال"، عرقل السيناتور الجمهوري عن كارولاينا الشمالية ثوم تيليس مسار التعيين، رافضًا دعم ورش؛ احتجاجًا على تحقيق جنائي فتحته وزارة العدل بحق باول، يتعلق بالإشراف على تجديد مقر البنك بتكلفة بلغت 2.5 مليار دولار، مع تجاوزات تُقدر بـ700 مليون دولار.
ونفى باول أي تجاوز، وانحاز إليه كل رؤساء الاحتياطي الفيدرالي الأحياء وعدد من الاقتصاديين الذين خدموا في إدارات ديمقراطية وجمهورية على حدٍ سواء.
وفسر المراقبون التحقيق بوصفه أداة ضغط لإجبار البنك على خفض الفائدة، لا تحقيقًا جنائيًا جادًا.
وما إن أسقطت وزارة العدل التحقيق، حتى رفعت لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ عقبتها، وأحالت الترشيح للتصويت الكامل، قبل أن يُقر مجلس الشيوخ كذلك انضمام وارش إلى مجلس المحافظين في اليوم السابق للتصويت على رئاسته.
تحديات جسيمة
يتسلم "وارش" دفة المؤسسة في مرحلة بالغة الدقة، إذ تشير بيانات اليومين الماضيين -وفق "فايننشال تايمز"- إلى ارتفاع حاد في الأسعار في أعقاب الحرب مع إيران وتداعياتها على أسواق الطاقة، فيما حذرت رئيسة بنك بوسطن الفيدرالي سوزان كولينز من أن رفع الفائدة بات سيناريو محتملًا.
ويزيد من تعقيد المشهد أن اجتماع الاحتياطي الأخير شهد أعلى معدلات الخلاف الداخلي منذ عام 1992، حين رفض ثلاثة من صانعي القرار الإشارة إلى أن التحرك المقبل سيكون خفضًا للفائدة.
وفي المقابل، لم يكتفِ الرئيس دونالد ترامب بالمطالبة العلنية بخفض حاد للفائدة، بل أهان باول علنًا واصفًا إياه بـ"الأحمق" و"البغل العنيد"، في مؤشر صريح على حجم الضغط السياسي الذي سيواجهه "وارش".
وتعهَّد "وارش" أمام لجنة التأكيد بأنه لم يُقدم لترامب أي وعود بشأن القرارات النقدية، وأنه سيصون استقلالية البنك.
يُنتظر أن يترأس وارش أول اجتماع للسياسة النقدية في الـ16 من يونيو المقبل، فيما تمتد ولايته حتى 2030، وهي سنوات ستكشف ما إذا كان بمقدور رجل واحد إعادة رسم العلاقة بين السياسة والمال في أمريكا.