زعمت صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية أن حزب الإصلاح البريطاني، بزعامة نايجل فاراج، الذي تصدّر نتائج الانتخابات المحلية الإنجليزية أخيرًا، لا يزال يفتقر إلى برنامج حكومي متماسك، في ظل فجوة واسعة بين وعوده الانتخابية الصاخبة وما يجري فعليًا خلف الأبواب المغلقة، إذ يجمع الحزب الذي لم يتجاوز عمره ثماني سنوات سياسات متضاربة وتراجعات هادئة في الكواليس، في صورة تثير قلق الاقتصاديين والمحللين حول جدية هذا البرنامج وقابليته للتطبيق.
تناقضات القيادة
رصدت الصحيفة البريطانية نمطًا لافتًا يتكرر داخل قيادة حزب الإصلاح، يتمثل في تصريحات علنية حادة تعقُبها مراجعات صامتة بعيدًا عن الأضواء، إذ شن ريتشارد تيس، نائب الزعيم، هجومًا شرسًا على شركة دراكس لتوليد الكهرباء من الوقود الحيوي، واصفًا إياها بـ"الاحتيال الأخضر الكبير" ومتوعدًا بإلغاء عقودها البالغة ثمانية مليارات جنيه، غير أنه بعد لقاء مسؤولي الشركة تراجع عن موقفه كليًا دون أن يُقر بذلك علنًا، وهو ما أثار استياء قيادة الشركة.
وفي المشهد ذاته، أعلن فاراج في منتدى دافوس الاقتصادي، معارضته لمنح البنك المركزي فوائد على احتياطيات البنوك التجارية، قائلًا: "لا أحب البنوك كثيرًا"، بينما كان مسؤول السياسات آنذاك ضياء يوسف، يُطمئن المصرفيين في الكواليس بأن الحزب لن يمس مصالحهم.
وتكشف الصحيفة أن فاراج وتيس يطلبان من رجال الأعمال تقديم مقترحاتهم في ورقة واحدة أو ثلاث على الأكثر، قائلَين: "ما زاد على ذلك لن نقرأه"، وهو ما يُجسد، وفق تيم مونتجومري أحد أبرز منظري الحزب، حالة التطوير غير المكتمل للسياسات.
هدم السياسات الخضراء
على صعيد الطاقة، يعتزم حزب الإصلاح إلغاء جميع التزامات المملكة المتحدة بصافي الانبعاثات الصفري، وضرب دعم طاقة الرياح والشمس، بل وفسخ عقود الطاقة المتجددة القائمة.
وأبدى المتحدث الاقتصادي للحزب روبرت جنريك، تحفظات قانونية صريحة على هذا التوجه أمام مستثمرين في لندن، محذرًا من أن الإخلال بالعقود القائمة قد يُشكل انتهاكًا لسيادة القانون، وإن نفى المتحدث باسمه وجود خلاف مع التوجه العام.
ويريد الحزب أيضًا فرض ضريبة أرباح طارئة على شركات الطاقة المتجددة، وحظر بطاريات تخزين الطاقة؛ بحجة "المخاوف الأمنية"، فضلًا عن استئناف التكسير الهيدروليكي واستخراج النفط من بحر الشمال.
وحذرت سوزانا إلكس من مؤسسة الاستشارات البيئية E3G، من أن هذه السياسات مجتمعةً ستُفضي عمليًا إلى رفع فواتير الطاقة، مضيفةً: "حين يحكمون حساب هذه السياسات سيصطدمون بصدمة حقيقية".
الترحيل الجماعي
يَعِد حزب الإصلاح بالانسحاب من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان واللاجئين، وإنشاء "قيادة الترحيل البريطانية" القادرة على احتجاز 24 ألف مهاجر دفعةً واحدة، وترحيل ما يصل إلى 288 ألفًا سنويًا عبر خمس رحلات يومية.
وبحسب فاينانشال تايمز، قد تعني هذه السياسات مغادرة نحو مليوني شخص البلاد، وهو رقم تبناه ضياء يوسف، المتحدث باسم الحزب للشؤون الداخلية، بقوله: "صدِّق ذلك جيدًا".
وأشار سندر كاتوالا من مركز أبحاث "بريطانيا المستقبل"، إلى أن "الصور المرئية للقسوة والفوضى" التي أضرت بـترامب ستكون أشد وطأةً في المجتمع البريطاني الأكثر اعتدالًا.
في المقابل، رأت لوسي مورتون من نقابة موظفي الحدود، أن الخطة "قابلة للتنفيذ" شرط مضاعفة فريق الإنفاذ البالغ تسعة آلاف موظف وتوفير الحوافز اللازمة للدول المُستقبِلة.
اقتصاد متذبذب
على الصعيد الاقتصادي، تخلى فاراج عن وعده بخفض الإنفاق الحكومي 150 مليار جنيه، فبات البرنامج المالي للحزب ضبابيًا، ويتضمن البرنامج إطلاق بطاقة "بريتانيا" للأثرياء الأجانب مقابل 250 ألف جنيه إعفاءً ضريبيًا لعشر سنوات، ودعم صناعة العملات المشفرة وخفض ضريبة أرباحها إلى 10%، وهو ما أثار جدلًا؛ إثر الكشف عن تلقي فاراج هبةً شخصية بخمسة ملايين جنيه من أحد مستثمري العملات الرقمية.
وطُرحت مقترحات بتأميم جزئي للمرافق العامة، قبل أن يتخلى عنها جنريك، أما ادعاء الحزب بتوفير 35 مليار جنيه سنويًا من عائدات البنك المركزي، فيرفضه سايمون فرنش، كبير الاقتصاديين في "بانمور ليبيروم"، مؤكدًا أن "لا أحد بشكل واقعي يصدق هذا الرقم".
ويلخص أندرو جودوين من مؤسسة أوكسفورد إيكونوميكس، المشهد قائلًا إن سياسات الحزب "لا تُشكِّل حزمة متماسكة" حين تُوضَع جنبًا إلى جنب.