دخل نشاط الجماعات الجهادية في نيجيريا، وخاصة تنظيم داعش، مرحلة من التصعيد النوعي المعقد في أبريل 2026، متجاوزًا النمط التقليدي للهجمات المحلية ليقترب من استراتيجية ضغط متعددة المستويات (ميدانية – نوعية – إستراتيجية). ويعكس هذا التصعيد تحولات في طبيعة العمليات، وانتشارها الجغرافي، وتأثيراتها على نيجيريا ومحيطها الإقليمي. فعلى المستوى الميداني، يظهر التصعيد في تزايد وتيرة وتنوع العمليات، حيث شهد شمال شرق نيجيريا، وخاصة ولاية بورنو، هجمات متزامنة نفذتها المجموعتان، بما في ذلك هجمات معقدة على مدن مثل مايدوغوري، ما يعكس القدرة على التنسيق العملياتي ومستوى متزايدًا من الجرأة.
تأسيسًا على ما تقدم، يسعى التحليل إلى التعرف على التحولات التي يشهدها تنظيم داعش في نيجيريا.
تحولات فارقة
شهد تنظيم داعش في نيجيريا تحولات جمة منذ نشأته في 2015 حتى عام 2026، حيث:
(*) انقسام بنيوي: في مارس 2015، بايع زعيم بوكو حرام "أبو بكر شيكاو" تنظيم داعش، وأعاد تسمية الجماعة باسم "داعش في غرب إفريقيا". وفي أغسطس 2016، أعلن تنظيم داعش أن "أبو مصعب البرناوي" هو الزعيم الجديد لفرعه في غرب إفريقيا، إلا أن شيكاو نفى هذا الادعاء، ما أدى إلى انقسام الفرع إلى مجموعتين منفصلتين، هما فصيل "ولاية غرب إفريقيا" بقيادة أبو مصعب البرناوي، المدعوم من داعش، وفصيل "جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد" (جماعة شيكاو) الذي احتفظ باسم بوكو حرام. ومن ثم، فإن التنظيم نشأ من رحم جماعة بوكو حرام، ومثّل هذا الانقسام أول نقطة تحول أعادت تشكيل داعش.
وفي مارس 2017، بدأ شيكاو بإدراج شعارات داعش في فيديوهات بوكو حرام الرسمية. ومنذ الانقسام، أصبح من الصعب التمييز بين الهجمات التي ينفذها كل فصيل. ومع ذلك، هناك فرق واحد، وهو أن فصيل البرناوي يسيطر على أراضٍ في منطقة حوض بحيرة تشاد شمال ولاية بورنو، بينما يسيطر فصيل شيكاو على أراضٍ في وسط وجنوب ولاية بورنو، بما في ذلك المعقل الإقليمي التاريخي لبوكو حرام في غابة سامبيسا.
(*) هيكل متعدد المستويات: سعى تنظيم داعش في نيجيريا إلى اعتماد هيكل إداري متعدد المستويات، يتضمن ولاة محليين، ومسؤولين عن الشؤون العسكرية والمالية والدعوية، متجهًا نحو تطوير قدراته التكتيكية عبر تبني إستراتيجية الحوكمة بدلًا من الاعتماد الكلي على العمليات الإرهابية التقليدية، وهو ما يميز داعش عن بوكو حرام في نيجيريا. وكنوع من رغبة التنظيم في الانتشار الجغرافي، سعى التنظيم إلى السيطرة على طرق التجارة، وفرض الضرائب، والتدخل في النزاعات القائمة بالمناطق الواقعة تحت نفوذه، بجانب توفير أجهزة حسبة للرقابة الدينية، واتباع نظم قضائية غير رسمية تستند إلى الشريعة المتبعة. ومن الملاحظ أن هذه الإستراتيجية هي ذاتها التي اتبعها داعش في كل من سوريا والعراق.
ثم تطور التنظيم ليركز بصورة أكبر على المنشآت بدلًا من الأفراد، ويتضح ذلك جليًا من خلال عملياته واستهدافه للقواعد العسكرية والمنشآت الحكومية؛ للاستيلاء على الأسلحة والمركبات. وبجانب ذلك، بدأ التنظيم في استخدام المنصات المشفرة، مع تطور الإنتاج الإعلامي، مما تمخض عنه تعزيز عمليات التجنيد والتعبئة الفكرية، وكانت الهجمات في بورنو خلال عام 2025 الدليل الأقوى على تلك التطورات.
(*) المراقبة الدولية: مع تطور عمليات داعش الإرهابية، بدأت الأنظار الدولية تتجه نحو التنظيم، إلى أن تم إدراجه لأول مرة كمنظمة إرهابية في 1 يوليو 2020، وأعيد إدراجه في 1 يوليو 2023. وكان قد تم إدراجه سابقًا كاسم بديل لجماعة بوكو حرام الإرهابية المدرجة في 1 يوليو 2017. وفي عام 2021، شنت قوات التنظيم هجومًا على معاقل بوكو حرام، ما أسفر عن مقتل الزعيم "أبو بكر شيكاو"، وتمخض عن ذلك انضمام عدد كبير من مقاتلي بوكو حرام إلى داعش؛ نتيجة غياب القيادة المركزية، وأصبحت داعش بعد تلك الخطوة تتصدر المشهد الجهادي في شمال شرق نيجيريا.
(*) تكثيف الهجمات: كان عام 2024 العام الذي شهد كثافة في الهجمات التي نفذها تنظيم داعش في نيجيريا، إذ أعلن داعش تنفيذ قرابة 500 هجوم في إفريقيا، كان أكثرها في نيجيريا. ثم استهدف داعش غرب إفريقيا الأهداف العسكرية عبر ولاية بورنو في شمال شرق نيجيريا وصولًا إلى مناطق شمال الكاميرون، حيث وقع 45 هجومًا مؤكدًا لخلايا التنظيم في شهر مايو 2025، وهو أعلى معدل شهري لهجماته منذ مايو 2020. كما تم تنفيذ هجمات على القواعد العسكرية المحصنة التابعة للجيش النيجيري، وصلت إلى 22 هجومًا منذ فبراير 2025 حتى أواخر يونيو الماضي، من بينها استهداف منطقة بوني غاري بولاية يوبي.
(*) تعقد المشهد الجهادي: بحلول عام 2026، أصبح المشهد الجهادي معقدًا نتيجة ظهور عدة تشكيلات متطرفة جديدة، مثل جماعة "لاكوراوا"، وهي حركة إسلامية سنية متشددة تعلن ولاءها لتنظيم داعش في شمال غرب نيجيريا، واتبع داعش نظامًا هجينًا يجمع بين الإرهاب والاختطاف مقابل الفدية وغيرها. لكن تطور الموقف حتى ظهرت بوادر تعاون بين داعش في نيجيريا وبعض الجماعات الجهادية الناشطة في منطقة الساحل الإفريقي، حتى اتسع نطاق التهديد من شمال شرق نيجيريا إلى شمال غربها والمناطق الحدودية مع النيجر والمناطق المتاخمة لبنين ووسط نيجيريا، وتحول داعش بذلك من مجرد تمرد محلي إلى منظومة إقليمية واسعة ممتدة عبر منطقتي الساحل الإفريقي ونطاق بحيرة تشاد.
تداعيات إستراتيجية
تحمل التحولات التنظيمية لتنظيم داعش في نيجيريا تداعيات إستراتيجية عدة، تتمثل أبرزها في:
(*) التمدد الإقليمي: عقب جملة التحولات التي شهدها التنظيم في نيجيريا، تمكن التنظيم من التوسع خارج معاقله التقليدية في كل من ولاية بورنو ومحيط بحيرة تشاد، حيث توسع من شمال نيجيريا حتى غربها؛ نتيجة الرقابة الأمنية الهشة على حدود النيجر ونيجيريا وبنين، والاضطرابات في منطقة الساحل الإفريقي، والأوضاع الاقتصادية المتدهورة. وبجانب ذلك، شهدت ولايات جديدة مثل كوارا وكاتسينا تصاعدًا في الهجمات المسلحة، بما يعكس اتساع نطاق الانتشار الجغرافي للتنظيم. كما امتد تأثير التنظيم إلى النيجر ومالي وبوركينا فاسو، ضمن ما بات يُعرف بـ"الحزام الإرهابي" في الساحل الإفريقي.
(*) الاهتمام الدولي: أحدث تنظيم داعش في نيجيريا قلقًا لدى الولايات المتحدة الأمريكية، وبدأت القوات الأمريكية شن غارات تستهدف مقاتلي داعش في شمال غرب نيجيريا، بناءً على طلب الحكومة النيجيرية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، في 26 ديسمبر 2025، شنت القوات الأمريكية غارة جوية باستخدام 12 صاروخ "توماهوك" أُطلقت من سفينة تابعة للبحرية الأمريكية. وما زالت الولايات المتحدة الأمريكية تسعى جاهدًة للحفاظ على مصالحها في نيجيريا والمنطقة برمتها، عبر محاربة الجماعات الإرهابية، وتقديم الدعم المادي والاستخباراتي للحكومة النيجيرية.
(*) التحديات الأمنية واستهداف القيادات: على الرغم من الدعم الدولي للحكومة النيجيرية والعمليات العسكرية المستمرة، فإن التنظيم ما زال قادرًا على الثبات والمواجهة ضد الجيش والمدنيين؛ نتيجة اعتماد التنظيم على الاستنزاف طويل المدى، إلى أن ركز الجيش على استهداف القيادات. ففي 25 فبراير 2026، أعلنت السلطات في نيجيريا القبض على قيادي بارز في تنظيم داعش في غرب إفريقيا، وهو "ساني يوسف"، المتورط في تفجير استهدف كنيسة عام 2022 وأسفر عن مقتل 40 من المصلين وإصابة آخرين، لتنتهي بذلك 4 سنوات من المطاردة. وسبق أن اعتقلت السلطات النيجيرية 5 متهمين آخرين في ملف التفجير، وهم: إدريس أومييزا، والقاسم إدريس، وجامع عبد الملك، وعبد الحليم إدريس، وموموه أوتوهو أبو بكر، ويواجهون تهمًا تتعلق بالتخطيط لأعمال إرهابية وتنفيذها.
ختامًا، تتمحور السيناريوهات القادمة حول إمكانية استمرار التصعيد المنضبط، حيث يستمر داعش في تنفيذ هجمات نوعية دون تحقيق سيطرة واسعة على الأراضي، مقابل استمرار العمليات العسكرية الحكومية، ويعد هذا السيناريو الأكثر احتمالًا. في حين من الممكن حدوث تصعيد نوعي كبير عبر تنفيذ هجوم ناجح على هدف إستراتيجي، ما يتمخض عنه تحول في مستوى التهديد وتقويض الثقة في الدولة، وتظل فكرة احتواء التصعيد معتمدة على مدى قدرة الحكومة النيجيرية على جمع المعلومات الاستخباراتية وتقليل الأخطاء التشغيلية مع الدعم الدولي لها. ومن ثم، يلاحظ أن نيجيريا على وشك مواجهة مرحلة أكثر تعقيدًا من الصراع؛ نتيجة الانتشار الداعشي المصحوب بتحديات هيكلية تواجهها البلاد.