عندما اندلعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران قبل شهرين، حاولت حساباتٌ إلكترونية مرتبطة بطهران استمالة الرأي العام العالمي عبر مناشدات عاطفية مليئة بالتحدي. ثم، مع استمرار الحرب، غيّرت إيران تكتيكاتها، فبدأت بنشر مقاطع فيديو قصيرة متحركة تُوجّه انتقادات لاذعة للرئيس ترامب وغيره.
ظهر ترامب في هذه المقاطع بشخصية "ليجو" بائسة، وأيضًا شخصية "وودي" من فيلم "حكاية لعبة"، وشخصية نجم لموسيقى البوب أشعث الشعر من حقبة الثمانينيات على قناة MTV.
أثار نجاح إيران في نشر هذه الصور الساخرة دهشة خبراء أمريكا المتخصصين في عمليات التأثير الأجنبي، الذين يؤكدون أن التكتيكات والتقنيات المستخدمة خلال الحرب ستُستخدم على الأرجح في أزمات دولية أخرى، وفي أحداث سياسية كبرى، بما في ذلك الانتخابات الأمريكية المرتقبة.
وكما نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن بريت شيفر، المدير في معهد الحوار الاستراتيجي: "لقد خاطبوا جيل الألفية على الإنترنت بأسلوب لا يستخدمه الدبلوماسيون عادةً". وأضاف: "لقد حوّلوا نظامًا لم يكن يتمتع بسمعة دولية طيبة، إلى خصمٍ قويٍّ ومرح".
الدعاية المغرضة
يُمكن القول إن إدارة ترامب هي مَن أشعلت حرب الصور الساخرة، حيث طالما أظهرت ميلًا لتحويل القضايا السياسية إلى صور ساخرة تنشرها عبر حسابات رسمية وغير رسمية.
ومنذ الضربات الأولى في 28 فبراير الماضي، نشر فريق البيت الأبيض العديد من مقاطع الفيديو باستخدام صور مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي أو مُدمجة مع مقاطع من أفلام الحركة وألعاب الفيديو الحربية.
وبعد بداية بطيئة مع اندلاع الحرب، ردّت إيران بالمثل. وأُنتجت العديد من الميمات الإيرانية، بما في ذلك فيديوهات "ليجو"، وإن لم تكن جميعها، وفقًا للباحثين الذين تتبّعوا هذه الميمات.
ثم، غمرت عشرات الحسابات التابعة لمسؤولين حكوميين ودبلوماسيين إيرانيين صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي برسائل لاذعة غير معهودة، معيدةً نشر مقاطع فيديو ساخرة من الولايات المتحدة وإسرائيل.
وتصور هذه الحسابات ترامب متعطشا للدماء، أو كعميلٍ غير كفؤ لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. كما تُلمّح هذه الحسابات باستمرار إلى أن الحرب شُنّت لصرف الأنظار عن ما كُشف في ملفات جيفري إبستين.
مجتمعة، حصدت منشورات نحو 150 حسابًا إيرانيًا رسميًا نحو 900 مليون مشاهدة خلال الخمسين يومًا الأولى من الحرب، وذلك بزيادة قدرها ثلاثون ضعفًا مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق، وذلك وفقًا لتحليل نشره معهد الحوار الاستراتيجي أول أمس الخميس.
ولأن الدعاية تتطور باستمرار، وتعكس العصر الذي تُصنع فيه، يقول الخبراء إن براعة إيران في استخدام التكنولوجيا أبرزت حقبة جديدة من حرب الـ"ميمات" (memes)، التي توسع ساحة المعركة المعلوماتية باستخدام خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي لتقويض الدعم السياسي للخصم.
وأُطلق على هذا التكتيك الجديد اسم "الدعاية المغرضة"، وخلص تحليل المعهد إلى أن جهود إيران "تقدم نموذجًا يمكن للجهات الفاعلة الاستبدادية محاكاته في المستقبل".
حرب الميمات
ومع اشتداد حرب الميمات على الإنترنت بشكل حاد في الأسابيع الأخيرة، ارتفع عدد المنشورات من حسابات البعثات الدبلوماسية الإيرانية التي تتضمن "ميمات" ونكاتًا ومحتوى مُولّدًا بواسطة الذكاء الاصطناعي، التي تسخر من الولايات المتحدة أو إسرائيل.
من بين جميع الميمات التي نشرها الإيرانيون، لم يلقَ أي منها صدىً واسعًا مثل سلسلة مقاطع الفيديو التي تُظهر مكعبات الليجو. فقد حوّل فريق صغير من صانعي المحتوى في إيران هذه اللعبة الشهيرة عالميًا، التي لها سلسلة أفلام خاصة بها، إلى واحدة من أقوى الأسلحة في ترسانة الميمات.
في مقاطع الفيديو، تظهر شخصية تُشبه ترامب وهي تتصبب عرقًا أو تنكمش خوفًا. في المقابل، يُصوَّر الجنود والمدنيون الإيرانيون على أنهم صامدون في مواجهة القوة العسكرية المشتركة للولايات المتحدة وإسرائيل.
يُطلق القائمون على هذه المجموعة على أنفسهم اسم "إكسبلوسيف ميديا " (Explosive Media)، أو كما يصفون أنفسهم في سيرتهم الذاتية على "تيك توك" ببساطة "فريق ليجو الإيراني". واستخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج مقاطع فيديو قصيرة باستخدام مجسمات "ليجو" مُعدّلة لتشبه الرئيس ترامب، ونائب الرئيس جيه دي فانس، ووزير الدفاع بيت هيجسيث.
وينشر الفريق الإيراني -الذي تأسس خلال حرب الأيام الاثني عشر بين إسرائيل وإيران العام الماضي- محتواه بشكل أساسي على "يوتيوب"، لكن لديهم أيضًا حسابات على "إنستجرام"، و"إكس"، و"تليجرام"، و"فيسبوك"، ويُطلقون على سلسلة الفيديوهات اسم "سجلات النصر " (Victory Chronicles).
ويستخدم هؤلاء أغاني الراب، ويشيرون إلى مواضيع مألوفة للأمريكيين، مثل ولع ترامب بمشروب الكوكاكولا الدايت أو انتقاد عادات هيجسيث في شرب الكحول.
كما أنها تتناول الأحداث الجارية بشكل مباشر، كما حدث أخيرًا مع تأجيل فانس زيارته إلى باكستان لإجراء محادثات السلام يوم الثلاثاء.
وتلفت " نيويورك تايمز" إلى أن التكنولوجيا سريعة التطور مكّنتهم من إنتاج رسوم متحركة أطول وأكثر تفصيلًا "يحوّلون أهوال الحرب إلى ما يشبه لعب الأطفال، ويصورون العنف بطريقة مُنمّقة لا تُنفر المشاهدين المحتملين في الفضاء الذي يتابع فيه معظمهم.