مع بداية الهجوم على إيران في فبراير الماضي، برر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراره بوجود "تهديد وشيك" من برنامج نووي إيراني قد يفضي إلى إنتاج سلاح نووي، غير أن هذا الخطاب شهد تحولًا لافتًا لاحقًا، إذ قلل من أهمية مخزون اليورانيوم عالي التخصيب لدى طهران، معتبرًا أنه "مدفون بعمق" ويمكن مراقبته عبر الأقمار الصناعية، دون أن يشكل خطرًا مباشرًا.
وأثار هذا التناقض في التصريحات قلقًا متزايدًا داخل دوائر منع الانتشار النووي، التي ترى أن الحرب لم تنه التهديد، بل ربما جعلت السيطرة عليه أكثر تعقيدًا، بحسب صحيفة "ذا تايمز" البريطانية.
خطر متجدد
تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بنحو 400 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة تقترب تقنيًا من مستوى 90% المطلوب لصنع سلاح نووي.
ورغم أن طهران لم تواصل التخصيب منذ الضربات العسكرية الأخيرة، فإن مدير الوكالة، رافائيل جروسي، حذّر من أن وجود هذا المخزون داخل إيران يتيح إمكانية استئناف التخصيب خلال "أيام أو أسابيع" فقط.
ويتمثل أحد أبرز تداعيات الحرب في غياب الرقابة الميدانية، إذ لم يعد بإمكان مفتشي الوكالة الدولية الوصول إلى المواقع النووية الإيرانية. وهو ما دفع خبراء، مثل إيما بيلشر من مؤسسة "بلوشيرز"، إلى التحذير من أن العالم أصبح "أقل أمانًا" مقارنة بما كان عليه قبل أسابيع.
وتؤكد هذه الرؤية، وفقًا لما أوردته "ذا تايمز"، أن المراقبة عبر الأقمار الصناعية لا يمكن أن تعوض التفتيش المباشر، لأن "الرصد لا يعني الفهم"، خاصة في ملف معقد كبرنامج إيران النووي.
خيارات عسكرية محدودة
وطرحت الإدارة الأمريكية سيناريوهات للتعامل مع المخزون النووي، من بينها عملية خاصة لاستعادته من مواقع مثل منشأة نطنز النووية ومنشأة أصفهان النووية، إلا أن هذه الخيارات وصفت بأنها عالية المخاطر وصعبة التنفيذ.
في المقابل، يرى خبراء مثل ديفيد أولبرايت، المفتش السابق، أن الضربات الجوية قد تستخدم لتعطيل الوصول إلى المخزون، عبر "دفنه" داخل الأنفاق، لكن دون القضاء عليه بالكامل.
وفي السياق، نجحت إيران في استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية، عبر تعطيل الملاحة ورفع أسعار النفط عالميا، ما يهدد بحدوث ركود اقتصادي.
غير أن هذا النفوذ الاقتصادي، رغم قوته، لا يبدو كافيًا لثني طهران عن السعي لامتلاك سلاح نووي، بل قد يدفعها في الاتجاه المعاكس.
"الخيار النووي"
ويرى محللون تحدثوا إلى صحيفة "ذا تايمز" البريطانية، أن الحرب عززت نفوذ التيار المتشدد داخل إيران، الذي بات يدفع بقوة نحو امتلاك سلاح نووي كـ "ضمانة نهائية" للأمن القومي.
وفي السياق، يشير خبراء إلى احتمال توجه طهران نحو تعاون تقني مع كوريا الشمالية، التي تمتلك خبرة طويلة في تطوير الأسلحة النووية رغم العقوبات.
ورغم التصعيد العسكري، تشير تقارير إلى أن المفاوضات التي سبقت الحرب كانت تقترب من اتفاق، بوساطة سلطنة عمان، يقضي بنقل الوقود النووي الإيراني إلى الخارج ووقف التخصيب.
لكن مع اندلاع الحرب، انهار هذا المسار، ما يعيد التأكيد على أن الحل الوحيد القابل للتطبيق يظل العودة إلى المفاوضات وإعادة إدخال مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.