كشف السفير نبيل نجم، سفير العراق الأسبق لدى القاهرة، عن كواليس وجذور الصراع العراقي الإيراني، وسنوات الحرب الثماني، وتفاصيل إقامة روح الله الخميني في العراق وصولًا إلى اندلاع المواجهة العسكرية عام 1980.
وأكد "نجم"، خلال لقائه مع الكاتب الصحفي والإعلامي سمير عمر في برنامج "الجلسة سرية" على "القاهرة الإخبارية"، أن العراقيين يُعدّون من أكثر الشعوب فهمًا لطبيعة إيران، سواء على المستوى الدبلوماسي أو الشعبي، وذلك بحكم الجوار الجغرافي والتداخل الاجتماعي بين البلدين.
روح الله الخميني
وأوضح السفير نبيل نجم، أن بوادر التوتر مع إيران بدأت مع اقتراب قيام الثورة الإسلامية عام 1979، مشيرًا إلى أن روح الله الخميني كان قد أقام لسنوات طويلة في العراق بصفته ضيفًا، قبل أن يغادر عقب التوصل إلى اتفاق الجزائر بين العراق وإيران.
وأضاف، أن الاتفاق نصّ على وقف الحملات الإعلامية والأنشطة التي قد تؤثر على استقرار البلدين، وهو ما دفع الحكومة العراقية آنذاك إلى مطالبة الخميني بتخفيف نشاطه الموجه ضد نظام الشاه من داخل الأراضي العراقية، خاصة أن الخميني كان ينشط من بغداد عبر تسجيل خطابات تُرسل إلى إيران، كما كان العراق يستقبل شخصيات مؤيدة له ويقدَّم لهم التسهيلات، الأمر الذي أثار حساسية في ظل الاتفاق القائم مع إيران في عهد الشاه.
وبيّن أن الحكومة العراقية واجهت ضغوطًا في هذا السياق، خاصة مع رغبة الشاه في زيارة العراق، حيث طُرح مقترح بخروج الخميني مؤقتًا، إلا أن بغداد رفضت ذلك، مؤكدة مسؤوليتها عن أمنه، مع إمكانية تنقله داخل البلاد.
وتابع "نجم" أن التوتر تصاعد لاحقًا، ما أدى إلى مغادرة الخميني العراق، حيث حاول التوجه إلى الكويت، إلا أن السلطات الكويتية رفضت استقباله، فعاد إلى بغداد قبل أن يبدأ اتصالات مع جهات دولية، من بينها فرنسا.
وأضاف أن الخميني، بناءً على مشاورات مع مستشاريه، فضّل التوجه إلى دولة غير عربية لتجنب أي ضغوط سياسية محتملة، فاختار فرنسا، التي استقبلته ووفرت له التسهيلات، بما في ذلك ترتيبات عودته إلى طهران على متن طائرة خاصة.
قال سفير العراق الأسبق لدى القاهرة، إن العراق كان لديه شعور مبكر بإمكانية بروز تهديد من إيران في حال وصول رجال الدين إلى الحكم، موضحًا أن هذا القلق تعزّز بعد نجاح الثورة الإسلامية عام 1979.
وأشار إلى وجود شخصية عراقية تُدعى علي الرضا، كانت مسؤولة عن رعاية روح الله الخميني خلال فترة إقامته في العراق، وتسهيل شؤونه وشؤون مرافقيه، مضيفًا أن العلاقة بين الجانبين شهدت مواقف إنسانية، من بينها نقل جثمان نجل الخميني من طهران إلى النجف لدفنه هناك، وهو ما ظل الخميني يذكره لاحقًا.
وأوضح سفير العراق الأسبق لدى القاهرة، أن علي الرضا تعرّض لاحقًا للاعتقال، كونه كان من الكوادر البعثية، مشيرًا إلى أنه بعد خروجه كُلّف بمهمة رسمية من قِبل الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين، تمثلت في السفر إلى فرنسا ولقاء الخميني للاستفسار بشكل مباشر عن نواياه تجاه العراق.
وتابع أن علي الرضا توجه إلى فرنسا، حيث كان الخميني يقيم، وتمكن بعد محاولات من ترتيب اللقاء، وخلال المقابلة، بادر الخميني بالقول: "أهلاً بالصديق العدو"، في إشارة إلى ازدواجية العلاقة، ما دفع علي الرضا للاستفسار عن هذا الوصف.
وبيّن "نجم" أن الخميني أوضح موقفه بالإشارة إلى أن علي الرضا يمثل النظام العراقي بصفته بعثيًا مقربًا من صدام حسين، وفي الوقت ذاته يرتبط بعلاقة سابقة معه، مستذكرًا مواقف الدعم التي قُدمت له خلال وجوده في العراق.
قال سفير العراق الأسبق لدى القاهرة، إن الخميني كان رجل دين محافظًا، لكنه لم يكن يقبل الصلاة خلف أي عربي، حتى لو كان شيعي المذهب، مثل علماء النجف الأشرف، ما يعكس مستوى التطرف على مستويين: مذهبي بين الشيعة والسنة، وعرقي بين الفرس والعرب، مضيفًا أن الخميني بعد انتقاله إلى طهران تلقى تهنئة من الرئيس العراقي الراحل محمد حسين البكر، حيث أرسلت بغداد برقية تهنئة رسمية، إلا أن الرد جاء بصياغة رسمية تبدأ بـ"السلام على من اتبع الهدى"، وهو ما اعتبره "نجم" مؤشرًا على موقف عدائي خفي.
وأضاف أن هذا يعكس العقلية الفردية للخميني، وليس بالضرورة العقلية الإيرانية جمعاء، إذ إن المجتمع الإيراني كان يضم نخبة مثقفة وعاصرت الحضارات المختلفة، خصوصًا في عهد الشاه، إلى جانب تيارات أكثر تشددًا واعتمادًا على أفكار إسلامية متشددة مثل كتابات سيد قطب.
وذكر أن هذا التشدد جعل من الصعب على القيادة العراقية اتخاذ قرارات دفاعية واضحة، خصوصًا أن المدن العراقية القريبة من الحدود كانت أهدافًا سهلة للقصف الإيراني، مقارنة بالمدن الإيرانية البعيدة عن الحدود، لذلك قرر الجيش العراقي دفع القوات الإيرانية عدة كيلومترات على الأقل لتأمين المدن العراقية الحدودية.
وأوضح، أن ممثلي الخميني في العراق مارسوا تحريضًا مستمرًا على الشيعة العراقيين، مطالبينهم بعدم دفع الضرائب وعدم الانصياع للدولة المركزية في بغداد، مشيرًا إلى أن هذه الأنشطة جاءت بالتزامن مع اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران، التي كان من المفترض أن تعيد العلاقات بين البلدين إلى مسار طبيعي، إلا أن إيران قررت عدم الالتزام بها.
وأضاف "نجم" أن المسؤولين الإيرانيين، صرّحوا علنًا بأن الاتفاقية كانت "صفحة طويت" باعتبارها مرتبطة بالعهد البائد، رغم تنبيه الحكومة العراقية لهم بأن هذه وثيقة رسمية وملزمة، ونتيجة لذلك، تصاعدت التوترات بين بغداد وطهران بشكل واضح بعد ذلك.
الصراع العراقي الإيراني
وذكر سفير العراق الأسبق لدى القاهرة، أن الحرب مع إيران شهدت اختراق القوات الإيرانية للأجواء العراقية وتوغلها في الأراضي العراقية، مستهدفة مراكز صناعية ومرافق استراتيجية.
وأضاف "نجم"، الذي كان يشغل حينها منصب رئيس دائرة في وزارة الخارجية، أنه كان يتولى تبليغ المذكرات الرسمية وتنبيه المسؤولين الإيرانيين بالالتزامات المنصوص عليها في اتفاق الجزائر، داعيًا إياهم للالتزام بتعهداتهم.
وأوضح سفير العراق الأسبق لدى القاهرة، أن الرد الإيراني لم يكن إيجابيًا، بل تصاعدت التصريحات الرسمية الإيرانية التي اعتبرت الاتفاقية "لاغية وغير شرعية"، مؤكدًا أن هذه الممارسات لم تتوقف رغم التحذيرات المتكررة.
واستذكر، أن الهجمات الإيرانية شملت الضرب على المراكز النفطية وغيرها من المنشآت الحيوية، إلى جانب حشود عسكرية على الحدود، ما دفع الجيش العراقي إلى الضغط لاتخاذ إجراءات دفاعية على الأقل لردع الانتهاكات الإيرانية وحماية الأراضي العراقية.
واستطرد، أن إيران اعتبرت الحرب مع العراق "مقدسة" من منظورها الديني والسياسي، موضحًا أن القادة الإيرانيين كانوا يرون العراق موطنًا للعديد من الشخصيات الدينية الإسلامية، بما في ذلك آل البيت والأئمة الاثني عشرية المدفونين هناك، ما جعلهم يعتبرون البلاد منطقة ذات أهمية دينية استراتيجية.
وأضاف "نجم"، أن شعارات إيران في تلك الفترة ربطت تحرير فلسطين بتحرير المدن العربية الكبرى، ففي البداية ربطوا ذلك بـ"تحرير بغداد أولًا"، معتبرين فلسطين قضية مركزية لكن موضع استغلال شعاراتهم السياسية في التدخل في شؤون الدول العربية.
وأشار إلى أن إيران غالبًا ما كانت تنكر بدءها الحرب، لكنها في الواقع هي من قامت بالتصعيد والانتهاكات على الأرض، من خلال احتلال الأراضي العراقية ورفض إعادة ما كان متفقًا عليه في عهد الشاه، وهو ما اعتبره العراق بمثابة بداية العدوان الإيراني.
حرب السنوات الثماني
وأوضح سفير العراق الأسبق لدى القاهرة، أن إيران اعتبرت بداية الحرب يوم 22 سبتمبر، بينما بدأت الانتهاكات الفعلية منذ 4 سبتمبر.
قال، إن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين أعلن رسميًا عن رغبته في وقف القتال ودعوة إيران للاستجابة للدخول في مفاوضات، وذلك في بداية الحرب بين العراق وإيران عام 1980.
وأضاف، أن مجلس الأمن أصدر في اليوم نفسه قرارًا يعكس هذا الموقف ويطالب بوقف العمليات العسكرية.
وأشار سفير العراق الأسبق لدى القاهرة، إلى أن الرد الإيراني جاء بعكس التوقعات، حيث استمرت الهجمات الجوية على بغداد، ما أظهر رفض إيران لوقف القتال في تلك المرحلة، مضيفًا أن العديد من الوساطات الدولية، بما فيها وساطات من عدن ومنظمة المؤتمر الإسلامي، حاولت تهدئة التوتر بين البلدين خلال السنوات الثماني للحرب.
وأوضح "نجم" أن إيران أعلنت لاحقًا، في 28 سبتمبر من عام 1980، عن وقف مؤقت للقتال لمدة 3 أيام تمهيدًا للدخول في مفاوضات، بينما استمر العراق في متابعة المبادرات الدولية التي تضمنت زيارة ياسر عرفات، والأمير حسن من الأردن، والرئيس الباكستاني، بهدف تهدئة الأوضاع ووقف التصعيد في الأشهر الأولى من الحرب.
كشف سفير العراق الأسبق لدى القاهرة، عن نصيحته لو كان مستشارًا لرئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء العراقي إبان الحرب الإيرانية العراقية، قائلًا، إنه كان يفكر في خيار الصبر لبعض الوقت، لكنه شدد على أن الرئيس صدام حسين اتخذ جميع المبادرات لإعلان رغبته بوقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات سلمية، بما في ذلك المبادرات الدولية التي رعتها دول عدم الانحياز، مثل كوبا.
وأوضح، أن إيران كانت ترفض التفاوض، مؤكدة في عام 1982 أنها لن توقف القتال ما دام الجيش العراقي داخل الأراضي الإيرانية، ونتيجة لذلك، قرر العراق سحب قواته من الأراضي الإيرانية لتسهيل عملية التفاوض ووقف الحرب، إلا أن الرد الإيراني كان بهجوم واسع وعنيف استهدف قطع الطريق بين البصرة وبغداد.
وصرح بأن العراق خلال السنوات الثماني للحرب مع إيران تلقى دعمًا عربيًا ومصريًا متعدد الأبعاد.
وأوضح أن الدول الخليجية قدمت دعمًا ماليًا على شكل قروض، بينما قدمت مصر دعمًا عسكريًا وفنيًا، بما في ذلك التدريب والمشورة في العمليات الكبرى مثل تحرير الفاو.
وأضاف أن الدول العربية كانت ترى في الحرب مع إيران ضرورة لتعزيز قوة العراق، ليس للعدوان على أحد، بل لضمان حماية مصالحها ومنع التهديد الإيراني من الانتقال إليها.
قال، إن تقييمه للثماني سنوات من الحرب العراقية الإيرانية كان سلبيًا، مشيرًا إلى أن الأسلوب الذي اتبعته القيادة العراقية في إدارة الأزمة لم يحقق نتائج فعالة.
وأوضح نجم، أنه عاش الحرب عن قرب أثناء وجوده في بغداد، وتابعها من موقعه كسفير للعراق في اليونان بين عامي 1983 و1988 قبل انتقاله إلى القاهرة.
وأشار إلى أن الرئيس صدام حسين طرح العديد من المبادرات لمحاولة التوصل إلى اتفاق، بما في ذلك لقاءات مقترحة في مكة وتبادل رسائل مكتوبة، وحتى زيارات شخصية إلى طهران، لكنها لم تلقَ أي استجابة من الجانب الإيراني.
ووصف "نجم" تلك المحاولات بأنها كانت "حوار الطرشان"، في إشارة إلى عدم جدوى الحوار مع إيران، حيث لم يكن هناك أي أثر أو تجاوب فعلي من جانبهم منذ السنة الأولى للحرب.