كشف السفير خالد عمارة، الرئيس الأسبق للبعثة الدبلوماسية لرعاية المصالح المصرية في طهران، تفاصيل مهمته في إيران عقب ثورة 25 يناير 2011، مؤكدًا أن تلك الفترة اتسمت بظروف استثنائية انعكست على طبيعة العمل الدبلوماسي خارج الأطر التقليدية.
وأوضح عمارة، خلال لقائه مع الإعلامي سمير عمر في برنامج "الجلسة سرية" على قناة "القاهرة الإخبارية"، أنه اختار التوجه إلى طهران رغم عدم إدراجها ضمن الوجهات المطروحة آنذاك، مشيرًا إلى أنه فضل البقاء داخل مصر لفترة في ظل تطورات المشهد الداخلي، قبل أن يُعرَض عليه المنصب رسميًا من وزير الخارجية.
وأضاف أنه نظر إلى المهمة باعتبارها فرصة مهمة لتعزيز خبرته الدبلوماسية، في ظل الأهمية الإقليمية لإيران، لافتًا إلى أنه اتخذ القرار بعد التشاور مع أسرته، التي دعمته في خوض التجربة.
وأشار "عمارة" إلى أن انطباعاته الأولية عن إيران اختلفت عمّا كان متداولًا، مؤكدًا أن الواقع يعكس مجتمعًا يتمتع بتاريخ حضاري وثقافي عريق ومستوى ملحوظ من التنظيم، ما دفعه إلى السعي لفهمه بشكل أعمق بعيدًا عن الصور النمطية، من خلال التواصل مع دبلوماسيين وخبراء لديهم خبرة سابقة في البلاد.
الواقع الإيراني أكثر تنظيمًا عكس الصور النمطية
وأكد "عمارة" أن الصورة المتداولة عن إيران في بعض وسائل الإعلام لا تعكس واقعها بدقة، مشيرًا إلى أن مستوى التنظيم والتنوع داخل المجتمع الإيراني يفوق التصورات الشائعة.
وأوضح أنه أجرى مشاورات موسعة قبل توليه مهامه، شملت لقاءات مع سفراء سابقين ومسؤولي وزارة الخارجية، إلى جانب الاطلاع على وثائق تاريخية ترصد تطور العلاقات المصرية الإيرانية الممتدة والعميقة.
وأضاف أن أول ما لفت انتباهه عند وصوله إلى طهران هو مستوى الانضباط والتنظيم، سواء في حركة الشوارع أو طبيعة التفاعل بين المواطنين، بما يعكس حالة من التحضر، مؤكدًا أن هذه الصورة جاءت مغايرة لما يُروَّج له في بعض وسائل الإعلام.
وأشار إلى أن المجتمع الإيراني يتميز بتنوع واضح في مكوناته، يظهر بشكل جلي في العاصمة طهران، التي تضم عددًا كبيرًا من السكان وتمتد عمرانيًا على نطاق واسع، لافتًا إلى أن هذا التنوع لا يمثل عائقًا أمام الوصول إلى المناصب العليا.
وبيَّن "عمارة" أن معايير تولي المسؤوليات في إيران تعتمد بشكل أساسي على الكفاءة والقدرة على الإنجاز، إلى جانب اعتبارات الولاء للنظام السياسي، مستشهدًا بوصول شخصيات من أصول غير فارسية إلى مواقع قيادية، وهو ما يعكس طبيعة التركيبة المجتمعية داخل البلاد.
الثورة الإيرانية
وقال الرئيس الأسبق للبعثة الدبلوماسية لرعاية المصالح المصرية في طهران، إن الثورة الإيرانية 1979 شهدت في بداياتها جانبًا دمويًا، موضحًا أن هناك العديد من الكتابات التي تناولت طبيعة هذه الثورة، وأن رجال الدين كانوا في طليعة القوى المعارضة لنظام الشاه منذ فترات مبكرة، خاصة مع تصاعد دور "روح الله الخميني" في قيادة الحراك.
وأضاف أن الصراعات الداخلية داخل الثورة أدت لاحقًا إلى إقصاء بعض التيارات، وعلى رأسها الجناح اليساري والتيارات المدنية، نتيجة خلافات عميقة حول مسار الدولة بعد إسقاط النظام السابق.
وأشار "عمارة" إلى أنه عند وصوله إلى إيران في عام 2011 كان هذا الواقع واضحًا، إذ بدت ملامح النظام قائمة على قيادة نخبة دينية، تحمل أيضًا طابعًا فلسفيًا وفكريًا، تتبنى خطابًا يجمع بين البعد الديني واستحضار الحضارة الفارسية العريقة، مع التركيز على التاريخ العميق للدولة وتأثيره في تشكيل الحاضر الإيراني.
وقال إن الثورة الإيرانية 1979 كانت في بدايتها "ثورة وليدة" تعرضت لمحاولات إجهاض مبكرة، في ظل ظروف إقليمية ودولية معقدة، وأن اندلاع الحرب العراقية الإيرانية شكّل أحد أبرز التحديات التي واجهت الثورة، مشيرًا إلى أن إيران تنظر إلى هذه الحرب باعتبارها مفروضة عليها، مع اتهامات بوجود دور أمريكي مؤثر في إشعالها.
وأشار "عمارة" إلى أن الجناح الديني داخل الثورة نجح في بسط سيطرته، وهو ما تزامن مع تقديرات لدى الولايات المتحدة بأن صعود هذا التيار قد يكون أقل خطورة مقارنة بصعود التيارات اليسارية المرتبطة بالاتحاد السوفييتي.
وأضاف أن بعض التقديرات الغربية، ومن بينها رؤية مستشار الأمن القومي الأمريكي آنذاك زبيجنيو بريجينسكي، رجَّحت أن يكون صعود التيار الديني خيارًا أكثر ملاءمة للمصالح الغربية في تلك المرحلة، في ظل المخاوف من تمدد النفوذ السوفييتي.
ثورة 30 يونيو
وقال الرئيس الأسبق للبعثة الدبلوماسية لرعاية المصالح المصرية في طهران، إنه كان موجودًا في طهران خلال أحداث 30 يونيو 2013 في مصر، مشيرًا إلى أنه كان يتوقع هذه الموجة الشعبية الغاضبة قبل حدوثها، وناقش توقعاته مع المسؤولين الإيرانيين بشكل مسبق.
وأوضح أن القيادة الإيرانية كانت حريصة على الاطلاع على وجهة النظر الرسمية المصرية وفهم التطورات التي تحدث داخل المجتمع المصري في تلك الفترة، مضيفًا أن هناك اتصالًا أسبوعيًا كان يجمعه مع نائب وزير الخارجية الإيراني آنذاك أمير عبداللهيان، المسؤول عن شؤون الشرق الأوسط، حيث تم تناول التطورات في مصر بشكل دوري.
وأشار "عمارة" إلى أن الجانب الإيراني تعامل مع التغيير باعتباره ثورة شعبية، ووصفوه بالتطور الإيجابي، معتبرين أن الغضب الشعبي المتنامي كان متوقعًا نتيجة الضغوط التي شهدها المجتمع المصري خلال هذه الفترة.
وحول الأحداث الثقافية التي طالت بعض أتباع المذهب الشيعي في مصر، أكد "عمارة" أن الحديث مع المسؤولين الإيرانيين كان منفتحًا، وأنهم أوضحوا أنهم لا يسعون للتأثير في المذهب داخل مصر.
وأضاف أن الإيرانيين يعتبرون مصر دولة كبيرة ومؤثرة حضاريًا وثقافيًا، ويرونها جناحًا مهمًا في الأمة، لا يمكن ربط أي تغييرات فيها فقط بتدخلات خارجية، مع التأكيد على الحساسية الكبيرة لديهم تجاه أي تدخل خارجي.