رصدت صحيفة "نيويورك تايمز" تحولًا لافتًا في السياسة الإعلامية للجيش الألماني، إذ باتت وزارة الدفاع تُقيِّد نشاط جنودها على منصات التواصل الاجتماعي بعد سنوات من توظيف هذه المنصات أداةً رئيسية لاستقطاب الجيل الجديد من المجندين، في حين تكشف هذه الخطوة عن توتر حقيقي بين ضرورات إعادة بناء القوة العسكرية الأوروبية من جهة، ومخاوف الأمن القومي من جهة أخرى.
إستراتيجية رقمية أثمرت ثم أقلقت
واجه الجيش الألماني "البوندسفير" في السنوات الأخيرة أزمة حادة في استقطاب المجندين، فلجأ إلى ما يلجأ إليه الجميع في عصرنا، وهي وسائل التواصل الاجتماعي، إذ لجأ الضباط يشرحون طبيعة المهام والتدريبات والمعدات على القنوات الرسمية، فيما أطل الجنود الشباب عبر مقاطع تُظهر الزي العسكري والسكن والتجهيزات، بل وصل الأمر إلى تعليم طريقة وضع طلاء التمويه على الوجه.
غير أن الأكثر تأثيرًا كان المحتوى العفوي الذي ينشره المجندون الجدد من تلقاء أنفسهم، بين مقاطع رياضية ورقصات ومشاهد مع الدبابات والأسلحة الثقيلة، وهي مواد وجدت صدى واسعًا لدى الجيل Z، وأسهمت فعليًا في رفع معدلات التسجيل، إلا أن هذا الانفتاح الرقمي لم يدم، إذ جاءت تعديلات فبراير الماضي لتضع حدًا لكثير من هذه الحسابات.
وأكد مارتن إلبه، عالم الاجتماع في مركز البوندسفير للتاريخ العسكري والعلوم الاجتماعية، أن دراسة أجراها عام 2022 أظهرت أن الإنترنت يتصدر مصادر معلومات المتقدمين للتجنيد، يليه الأصدقاء، ثم وسائل التواصل الاجتماعي التي اعتمد عليها 12% من المتقدمين.
أمن أم سيطرة على الصورة
أشار الصحيفة الأمريكية إلى أنه في فبراير الماضي وبشكل شبه صامت، أصدرت وزارة الدفاع الألمانية تعديلات صارمة تُلزم الجنود بالحصول على موافقة مسبقة من ضباطهم قبل نشر أي محتوى من داخل القواعد العسكرية، حتى على حساباتهم الشخصية، فضلًا عن اشتراط الإشارة الصريحة إلى أن هذه الحسابات غير رسمية.
وتتمسك الوزارة بأن الدافع أمني بحت، يستهدف منع القوى المعادية من استخراج معلومات حساسة.
في المقابل، يرى المؤثرون العسكريون أن القواعد الجديدة تعكس رغبة القيادة في إحكام السيطرة على صورتها أمام الرأي العام.
وفي السياق ذاته، أكد ميركو ليفكه، الباحث في وسائل التواصل الاجتماعي العسكرية بجامعة برلين الحرة، لصحيفة "نيويورك تايمز"، أن "الجيش أدرك أن التساهل في التواصل لم يكن في صالح صورته"، وهو ما يعكس أن القرار لم يكن أمنيًا بحتًا.
أما مارسيل بونيرت، أحد واضعي إرشادات البوندسفير الإعلامية وعضو اتحاد القوات المسلحة الألمانية، فبرر هذه القيود بالتصاعد الملحوظ في الهجمات الإلكترونية ومحاولات التجسس، مضيفًا في تصريح لـ"نيويورك تايمز": "لصون الحرية، علينا أحيانًا تقييدها قليلًا".
طموح عسكري أوروبي في مواجهة التهديدات
لا يمكن فهم هذه التحولات بمعزل عن السياق الإستراتيجي الأشمل، إذ تسعى ألمانيا إلى ضخ 80 ألف جندي نظامي و150 ألف جندي احتياطي إضافي في صفوف الجيش بحلول عام 2035، تنفيذًا لوعد المستشار فريدريش ميرز ببناء "أكبر جيش تقليدي في أوروبا"، وذلك في مواجهة التمدد الروسي وتراجع الضمانات الأمريكية لأمن القارة.
وتعكس معادلة التجنيد الألمانية تحولات اجتماعية لافتة، فبينما اختار المشرعون الإبقاء على التطوع بدلًا من التجنيد الإلزامي، باتت استمارة إلزامية تُرسل لجميع الشباب في سن الثامنة عشرة لقياس اهتمامهم بالخدمة العسكرية.
ورصدت نيويورك تايمز مؤشرات إيجابية في هذا الاتجاه، أبرزها اتفاقية مع شركة السكك الحديدية الوطنية تتيح للجنود السفر مجانًا بزيهم الرسمي، ما رفع حضورهم في الفضاء العام وعزز صورة الجندي في الوعي الجمعي، لا سيما في دولة ظلت على مدى عقود طويلة تحمل إرثًا تاريخيًا ثقيلًا من النزعة السلمية في أعقاب الحقبة النازية.