تصاعدت المخاوف الدولية حيال أمن الملاحة في مضيق هرمز الحيوي خلال الساعات الماضية، بعدما تعرضت سفن تجارية لإصابات أدت إلى إحراقها وإخلاء طواقهما، ورجّح خبراء عسكريون أن الألغام المزروعة في المضيق وراء تلك الضربات.
ويعتبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي خُمس النفط العالمي، أحد أبرز الأوراق الثمينة في يد النظام الإيراني، حيث تستخدمه من أجل الضغط على خصومها في أوقات الحروب، وغالبًا ما تعتمد على إستراتيجية زراعة الألغام البحرية، التي تتميز بالمرونة والتكلفة المنخفضة.
قذائف مجهولة
ومنذ اندلاع الحرب بين أمريكا وإسرائيل وإيران جويًا قبل حوالي 12 يومًا، تعرضت عدة سفن لضربات مجهولة، في مضيق هرمز، كان آخرها ما أعلنت عنه الوكالة البحرية البريطانية، من إصابة سفينة شحن بقذيفة و اشتعال النيران فيها على بعد 11 ميلًا بحريًا شمال سلطنة عمان.
كما أعلنت منظمة التجارة البريطانية، بحسب فوكس نيوز، عن استهداف سفينة نقل بضائع ثانية في الخليج العربي، أُصيبت أيضًا بمقذوف مجهول، على بعد 50 ميلًا بحريًا شمال دبي، وتم إخلاؤها من الطاقم والركاب، وأكدت السلطات أنها تجري تحقيقات لمعرفة أسباب الحادث.
العقيدة العسكرية
ووفقًا لتحليل نشره مركز "ستراوس" للأمن الدولي والقانون، فإن الألغام البحرية تمثل ركيزة أساسية في العقيدة العسكرية الإيرانية، سواء في المهام الدفاعية لردع أي دخول للمياه الإقليمية، أو الهجومية لتعطيل الأصول البحرية وتوجيه السفن نحو مسارات محددة تجعلها صيدًا سهلًا للهجمات اللاحقة.
تمتلك إيران مخزونًا يُقدَّر بما لا يقل عن 2000 لغم بحري، حصلت على الجزء الأكبر منها من روسيا والصين وكوريا الشمالية، بالإضافة إلى التصنيع المحلي، وتتنوع بين الألغام "التلامسية" بسيطة التركيب، والتي تنفجر بمجرد الاحتكاك المباشر بجسم السفينة، والألغام "التأثيرية" الأكثر تعقيدًا.
أنواع الألغام
وتعتمد الأخيرة على أجهزة استشعار متطورة ترصد البصمات المغناطيسية والصوتية، أو حتى ضغط المياه الناتج عن مرور السفن، بجانب وجود نوع خاص تمتلكه طهران، وهو الألغام "الصاعدة" مثل لغم EM-52 صيني الصنع، الذي يستقر في القاع ويطلق رأسًا حربيًا مقذوفًا نحو الهدف بمجرد رصده.
كما تلجأ إيران إلى الألغام "القاعية" التي تُدفن في القاع وتُحمَّل بشحنات متفجرة ضخمة تصل إلى 2200 رطل، مما يجعلها تهديدًا حقيقيًا في المياه الضحلة، وبالمقارنة مع الأسلحة الأخرى، تعتبر الألغام غير مكلفة، إذ لا تتجاوز تكلفة الألغام البسيطة منها 1500 دولار.
إستراتيجية النشر
وتعتمد إستراتيجية النشر الإيرانية على عنصر المفاجأة واستخدام وسائل غير تقليدية، حيث يمتلك الحرس الثوري الإيراني أسطولًا ضخمًا من الزوارق الصغيرة وقوارب الصيد لزرع الألغام سرًا، بجانب الغواصات الروسية من طراز "كيلو"، كما يمكن إسقاط الألغام في الماء جوًا، ويمكن للغواصات استخدام طوربيداتها لزرع بعض الألغام.
عقب إصابة السفينتين، حذر وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث، وفقًا لرويترز، من أنهم لن يسمحوا لإيران باحتجاز مضيق هرمز رهينة، معلنًا أن القوات الأمريكية دمرت 10 سفن زرع ألغام مع توقع المزيد خلال الفترة المقبلة، بينما هدد ترامب على تروث سوشيال، بضربات لا مثيل لها إذا زرعت استمرت إيران في زرع الألغام وطالب القوات الأمريكية بتطهيرها.
تحديات التطهير
وعلى الرغم من امتلاك البحرية الأمريكية لكاسحات ألغام متطورة من فئة "أفينجر"، إلا أن الخبراء العسكريين الأمريكيين، شككوا في قدرتها على مواكبة التطور المتسارع في تكنولوجيا الألغام الذي يجعل من عمليات التطهير مهمة محفوفة بالمخاطر وبطيئة للغاية، ويتطلب تطهير مساحة صغيرة عدة أشهر.
ولكن في الوقت ذاته، لا تمتلك تلك الألغام القدرة على إغراق ناقلات النفط العملاق، بسبب حجمها الهائل، حيث لا يتمكن الانفجار إلا من تمزيق بسيط لهيكلها أو تعطيل الأنظمة الإلكترونية الحساسة ونظام الدفع، مما يؤدي إلى شل حركة الملاحة في الممرات الضيقة.
وبالنظر إلى الوضع الراهن لتهديد الألغام الإيرانية، ونجاح إيران التاريخي النسبي في استخدامها، فيرى العسكريون الأمريكيون أنه من المنطقي تمامًا أن تلجأ إيران إلى السلاح الفتاك الذي تراهن عليه لتعويض نقص القدرات البحرية وتهديد أمن الطاقة العالمي.