تواجه السلطة الفلسطينية وضعًا متزايد التعقيد في الضفة الغربية المحتلة، في ظل تصاعد عنف المستوطنين وتوسيع الإجراءات الإسرائيلية لتعزيز السيطرة على الأرض، وسط تحذيرات دولية من تداعيات خطوات إسرائيلية توصف بأنها ترقى إلى ضم تدريجي بحكم الأمر الواقع
تهجير سري
مع تصاعد عنف المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة، وجدت بلدة المغير شمال شرقي رام الله نفسها في خط المواجهة، إذ تواجه البلدة توغلات منتظمة من الجيش الإسرائيلي، واستيلاء مستوطنين على أراضيها الزراعية عقب بناء بؤر استيطانية جديدة، ما أدى إلى تضييق متزايد على سكانها وحرمانهم من الوصول إلى أراضيهم.
يقول مرزوق أبو نعيم من المجلس المحلي لبدلة المغير، وفق هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، إن "المستوطنين يهدفون إلى تهجير الفلسطينيين سرًا، فهذا ضم للأراضي.. لا نستطيع الوصول إلى أراضينا".
وحذرت الأمم المتحدة، في وقت سابق الشهر الجاري، من استمرار تهجير الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة عند "مستويات مرتفعة"، في ظل تصاعد عنف المستوطنين الإسرائيليين وعمليات الهدم، مؤكدة أن أكثر من 900 فلسطيني أجبروا على ترك منازلهم منذ بداية العام 2026.
أزمة مالية
بعد هجمات 7 أكتوبر، فقد نحو 100 ألف فلسطيني تصاريح عملهم في إسرائيل، وفي الوقت نفسه تحجب إسرائيل التحويلات الضريبية التي تجمعها لصالح السلطة الفلسطينية بسبب نزاع مستمر حول الكتب المدرسية الفلسطينية والمخصصات المالية لعائلات من سُجنوا أو قُتلوا على يد إسرائيل بمن فيهم منفذو الهجمات.
تقول هيئة الحكم المحلي الفلسطينية إن إسرائيل مدينة لها بأكثر من 4 مليارات دولار، أي ما يعادل 3 مليارات جنيه إسترليني و3.4 مليار يورو. وتدفع الهيئة لمعظم موظفي القطاع العام، بمن فيهم الأطباء وضباط الشرطة والمعلمون، 60% فقط من رواتبهم، كما تفتح مدارسها التي يدرس فيها أكثر من 600 ألف طفل أبوابها ثلاثة أيام فقط في الأسبوع.
ضم تدريجي
على الطرق المؤدية بعيدًا عن المغير، تظهر بوابات عسكرية إسرائيلية تستخدم لعزل القرى الفلسطينية عن بعضها البعض وتقييد الحركة، كما تظهر جرافات إسرائيلية تغير معالم الأرض وتوسع الطرق لربط المستوطنات ومنح المستوطنين وصولًا أسرع إلى القدس المحتلة، وفق "بي بي سي".
تأسست السلطة الفلسطينية قبل أكثر من 30 عامًا عقب اتفاقية أوسلو التاريخية للسلام مع إسرائيل، وكان الفلسطينيون يأملون أن تصبح سريعًا حكومة كاملة لدولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية، والتزمت السلطة بالمفاوضات بالوسائل السلمية لتحقيق هدفها، لكن المفاوضات المباشرة انهارت قبل أكثر من عقد.
هذا الشهر تتخذ الحكومة الإسرائيلية خطوات جديدة لتعزيز سيطرتها على الضفة الغربية، وحذَّر مسؤول رفيع المستوى في الأمم المتحدة من أن هذه الخطوات "ترقى إلى ضم تدريجي بحكم الأمر الواقع".
وقد تسمح عملية تسجيل الأراضي الجديدة المثيرة للجدل لإسرائيل بضم مساحات شاسعة إلى دولة الاحتلال، ويجري توسيع تطبيق اللوائح البيئية والأثرية ليشمل أجزاءً من الضفة الغربية الخاضعة للسيطرة المدنية للسلطة الفلسطينية.
مواقف دولية
وصرح وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، المسؤول عن سياسات الاستيطان، أن هدفه هو القضاء على فكرة قيام دولة فلسطينية، وهو نفسه مستوطن ويدعي أحقيته الأيديولوجية والدينية في الأرض.
وفي مؤتمر عُقد في مستوطنة قرب رام الله، الثلاثاء الماضي، تعهد "سموتريتش" بالمضي قدمًا إذا بقي في الحكومة بعد الانتخابات المقررة هذا العام، قائلًا إنه سيلغي اتفاقيات أوسلو "اللعينة" رسميًا وعمليًا وبالتالي سيفكك السلطة الفلسطينية، ووصف الفلسطينيين بـ"العدو" ووعد بتشجيع هجرتهم.
أدانت أكثر من 80 دولة عضوًا في الأمم المتحدة إلى جانب الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية بشدة القرارات والإجراءات الإسرائيلية الأحادية ودعت إلى التراجع عنها، في المقابل اكتفت الولايات المتحدة بتأكيد معارضتها لضم الضفة الغربية دون اتخاذ خطوات إضافية.