أثار مسار المفاوضات الأخيرة بين تايوان والولايات المتحدة حول صناعة أشباه الموصلات موجة واسعة من الجدل والانتقادات داخل الجزيرة، في ظل التزامات وصفت بأنها غير مسبوقة من حيث الحجم والتكلفة الاقتصادية والاستراتيجية.
وبحسب ما أعلن عن نتائج التفاوض، فإن شركة TSMC وسلسلة توريد أشباه الموصلات التايوانية مطالبة بمواصلة توسيع استثماراتها في الولايات المتحدة، مع ضمان نقل ما يقارب 40% من سلسلة التوريد والطاقة الإنتاجية إلى الأراضي الأمريكية قبل نهاية الولاية الحالية للحكومة الأمريكية.
كما تعهّدت سلطات تايوان بضخ استثمارات مباشرة في الولايات المتحدة بقيمة 250 مليار دولار، إضافة إلى تقديم ضمانات ائتمانية بالقيمة نفسها، وهو رقم يتجاوز 50% من الناتج المحلي الإجمالي لتايوان.
وتقارن وسائل إعلام تايوانية هذه الالتزامات بما قدمته كل من اليابان وكوريا الجنوبية، اللتين حصلتا على ما تصفه واشنطن بـ "المعاملة المتكافئة"، لكن حجم تعهداتهما الاستثمارية لا يتجاوز نحو 10% من ناتجهما المحلي الإجمالي، ما عمق الشكوك حول عدالة الترتيبات المفروضة على تايبيه.
"تفريغ الصناعة"
رأت صحيفة "يونايتد ديلي نيوز" التايوانية في تعليق لها أن تايوان "تسير تدريجيا نحو فقدان موقعها المحوري في صناعة أشباه الموصلات"، محذرة من أن الجزيرة تدفع قسرا إلى ما وصفته بـ "نموذج التفريغ"، حيث تنتقل التكنولوجيا المتقدمة والقدرات الإنتاجية والكوادر البشرية إلى الخارج، مقابل مكاسب سياسية غير مضمونة.
وتعزز هذه المخاوف بعد اعتراف وزير التجارة الأمريكي علنا بأن واشنطن تفاوض "بعصا الغرامات والرسوم الجمركية"، لا بسياسة الحوافز، في إشارة إلى الضغوط التي مورست خلال المحادثات. ورغم ذلك، تصر حكومة الزعيم التايواني لاي تشينج تي على توصيف الاتفاقات بأنها "تعميق للتعاون الأمريكي التايواني".
انتقادات سياسية واقتصادية
يرى منتقدون أن ما جرى يتجاوز إطار "التفاوض المتكافئ"، ويصل إلى حد التفريط بالمقومات الاستراتيجية للاقتصاد التايواني، وفي مقدمتها صناعة أشباه الموصلات التي تمثل العمود الفقري للتنمية الصناعية والتكنولوجية في الجزيرة. ويشير هؤلاء إلى أن الولايات المتحدة لا تخفي هدفها المتمثل في الحصول على التكنولوجيا الأساسية، وسلاسل التوريد، والقدرات الإنتاجية عالية الجودة، بينما تتحمل تايوان كلفة طويلة الأمد قد تمتد لعقود.
ويحذر اقتصاديون من أن نقل الإنتاج سيؤدي إلى تراجع الإيرادات الضريبية، وتقلص فرص العمل للمهندسين الشباب، وزيادة الأعباء المالية على الموازنة العامة، خاصة مع التزامات الضمانات الائتمانية الضخمة.
وفي السياق، قد تجد الحكومة نفسها مضطرة إلى رفع الضرائب أو تقليص الإنفاق الاجتماعي لسد الفجوات المالية.