صعّد الرئيس الصيني شي جين بينج من حملات التطهير والانضباط داخل الحزب الشيوعي، إذ عاقبت أجهزة الحزب ما يقرب من مليون مسؤول وعضو خلال عام 2025 وحده، في رقم قياسي غير مسبوق بسبب تهم تتعلق بالفساد والحصول على رشاوي مستغلين مناصبهم.
وخلال اجتماع للجنة المركزية لفحص الانضباط، شدّد "شي" على أن الفساد لا يزال يشكل "عقبة رئيسية" أمام تقدم الحزب والدولة، مطالبًا أجهزة الرقابة الحزبية بممارسة دورها الإشرافي بحزم أكبر لضمان تنفيذ سياسات القيادة العليا دون تحريف أو تباطؤ، مضيفا أن نجاح الخطة الخمسية المقبلة يتطلب انضباطًا صارمًا والتزامًا كاملًا بتوجهات المركز.
أرقام قياسية
وبحسب بيانات رسمية نُشرت اليوم السبت، عاقب الحزب الشيوعي 983 ألف شخص خلال عام 2025، بزيادة 10.6% عن عام 2024، الذي كان بدوره عاما قياسيا. ويعد هذا أعلى رقم سنوي منذ بدء نشر هذه الإحصاءات قبل نحو عشرين عامًا، ما يعكس اتساع نطاق الحملة وتسارع وتيرتها.
وأوضحت "صحيفة الشعب اليومية" الصينية وسائل الإعلام الرسمية أن جزءًا كبيرًا من هذه الإجراءات يستهدف مسؤولين محليين متهمين بالتقاعس أو سوء تنفيذ السياسات المركزية.
وذكرت الصحيفة أن بعض المناطق تتبع الاتجاهات بشكل أعمى، من خلال إطلاق مشاريع في قطاعات استراتيجية مثل أشباه الموصلات والمركبات الكهربائية وبطاريات الليثيوم، رغم غياب الظروف المحلية الملائمة، ما يؤدي إلى تشويه السياسات وإفراغها من مضمونها.
جمود إداري
ويقر الحزب الشيوعي بأن حملات التطهير الواسعة أدت في المقابل إلى حالة من التردد والجمود داخل الجهاز الإداري، إذ بات العديد من المسؤولين يتجنبون اتخاذ قرارات حاسمة خوفًا من الوقوع تحت طائلة العقوبات. وتواجه بكين هذا التحدي في وقت تحتاج فيه إلى ديناميكية محلية أكبر لمواجهة التباطؤ الاقتصادي وأزمة العقارات وضعف الطلب الداخلي، بحسب صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية.
وفي محاولة لاحتواء هذه المخاوف، أكد شي جين بينج أن الأخطاء غير المقصودة يمكن التسامح معها، مشددًا على أن الانضباط الصارم لا ينبغي أن يضعف عزيمة الكوادر. ومع ذلك، أظهرت البيانات أن أكثر من 140 ألف شخص عوقبوا خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025 بسبب مخالفات تتعلق بالتقاعس أو التهور أو الخداع، وهو رقم تجاوز إجمالي عام 2024 بأكمله.
تطهير يتجاوز الفساد
ومنذ تولي "شي" السلطة أواخر عام 2012، تطورت حملة مكافحة الفساد من استهداف الرشوة وإساءة استخدام السلطة إلى أداة أوسع لفرض الولاء السياسي وتعزيز سيطرة القيادة المركزية. وخلال هذه الفترة، عاقبت السلطات أكثر من 7.2 مليون شخص، ما حدّ من بعض أشكال الفساد الصارخ، وعزّز موقع "شي" باعتباره أقوى زعيم صيني منذ عقود.
وخلال السنوات الثلاث الماضية، وسعت لجان التفتيش نطاق عملها ليشمل قطاعات حساسة مثل المالية والرعاية الصحية والدفاع، وأسفرت التحقيقات عن إسقاط عشرات كبار المسؤولين والمديرين التنفيذيين والقادة العسكريين، بمن فيهم شخصيات كانت تُعد قريبة من شي نفسه.
وعززت السلطات رسائلها عبر بث وثائقيات رسمية تناولت قضايا فساد بارزة، تضمنت اعترافات لمسؤولين سابقين، وسلّطت الضوء على ما وصفته بظاهرة "صيد الحصار"، إذ يقوم رجال أعمال بإغراء المسؤولين بمنافع مالية قبل استغلالهم سياسيًا.
وفي ختام اجتماعها الأخير، أعلنت لجنة مكافحة الفساد أن أولوياتها للعام الجاري تشمل تعزيز الولاء السياسي، ومواصلة مكافحة الفساد في قطاعات المال والطاقة والتعليم والشركات المملوكة للدولة، إلى جانب التصدي لأشكال "الفساد الخفي" مثل الرشاوى المؤجلة والتنقل الوظيفي بين القطاعين العام والخاص.