في السنوات الأخيرة، شهدت الدراما التلفزيونية المصرية تحوّلًا ملحوظًا في خريطة البطولة، وهو تحوُّل لا يمكن اعتباره عابرًا أو مرتبطًا بموسم فني بعينه، بل يعكس تغييرًا أعمق في الرؤية الإبداعية لدى صناع الدراما.
فبعد أن ظلت الوجوه الشابة لفترات طويلة حبيسة الأدوار الثانوية أو الهامشية، بدأت تدريجيًا في الانتقال إلى قلب المشهد، لتصبح عنصرًا أساسيًا في تحريك الأحداث، بل وأحيانًا العمود الفقري الذي تُبنى عليه أعمال درامية كاملة.
وتتجلى هذه الظاهرة بوضوح في عدد من الأعمال الحديثة، من بينها مسلسل "ميدتيرم"، الذي اعتمد بشكل أساسي على مجموعة من الوجوه الشابة التي تولَّت مسؤولية حمل الخط الدرامي الرئيسي.
كذلك يأتي مسلسل "لعبة وقلبت بجد" ليقدم نموذجًا مختلفًا لكنّه مُكمِّل للصورة العامة، إذ اعتمد على توليفة متوازنة تجمع بين أجيال مختلفة من الممثلين. إلا أن اللافت في هذا العمل هو المساحة الحقيقية التي مُنِحَت للشخصيات الشابة.
أما مسلسل "بطل العالم" فيُعد مثالًا آخر على هذا التوجُّه المتصاعد، إذ يُقدَّم الشباب باعتبارهم صُنّاع حلم وصراع، لا مجرد خلفية تدور في فلك النجوم الأكبر سنًا.
الجرأة والروح العصرية
في هذا السياق، يرى الناقد المصري طارق الشناوي أن أعظم ما يمكن تقديمه للحركة الفنية والدرامية هو الدفع بوجوه جديدة في مختلف المجالات، حتى مع إدراك أن احتمالات الفشل في بداياتهم قد تكون أكبر من فرص النجاح. إذ يقول لموقع "القاهرة الإخبارية": "هذا الخيار، رغم مخاطره، يظل الطريق الحقيقي والوحيد لتجديد الدماء وبعث روح مختلفة داخل المشهد الدرامي".
ويشير إلى أن الوجوه الشابة تحمل بطبيعتها قدرًا أكبر من الجرأة والمشاغبة والروح العصرية، وهي عناصر باتت ضرورية لمواجهة حالة النمطية والتكرار التي قد تصيب الدراما في حال الاعتماد المستمر على الأسماء نفسها. فالتنوع، من وجهة نظره، ليس رفاهية، بل ضرورة فنية تضمن تطور الخطاب الدرامي وقدرته على مواكبة التحولات الاجتماعية والثقافية.
ويؤكد أن الرهان على الوجوه الجديدة لا ينبغي النظر إليه بوصفه مغامرة خاسرة، بل كاستثمار طويل المدى في مستقبل الفن.
ويراهن طارق الشناوي على أن المرحلة المقبلة ستشهد بروز أبطال جدد يتصدرون المشهد الفني، مشيرًا إلى أسماء مثل هدى المفتي وسلمى أبو ضيف وغيرهما، قائلًا: "بعض هذه الأسماء ليست جديدة تمامًا على البطولة، إلا أن ما يُميّز المرحلة القادمة هو اندماجهم مع وجوه شابة وحديثة العهد بالأدوار الرئيسية، وهو ما يخلق حالة فنية متجددة، ويضخ طاقة وحيوية قادرتين على إعادة تشكيل المشهد الدرامي بشكل أكثر تنوعًا وثراءً".
الكتابة الجيدة
يرى الناقد المصري أحمد سعد الدين أن مسألة الاعتماد على الوجوه الشابة في الدراما التلفزيونية تُعد أمرًا ضروريًا ولا غنى عنه لاستمرار الفن وتطوره، مؤكدًا أن تقديم طاقات جديدة ليس خيارًا ترفيهيًا، بل حاجة طبيعية تفرضها حركة الحياة نفسها.
ويضيف لموقع "القاهرة الإخبارية": "الفن لا يمكن أن يتوقف عند أسماء بعينها، بل يجب أن يظل في حالة تجدد دائم، يفرز وجوهًا شابة باستمرار، ويمنحها الفرصة للتعبير عن روح العصر ومتغيراته".
العوامل المتداخلة
ويشير إلى أن السنوات الأخيرة شهدت زيادة ملحوظة في الاعتماد على الوجوه الشابة، وهي زيادة لا تعود إلى سبب واحد فقط، بل تقف خلفها مجموعة من العوامل المتداخلة. من بينها الأسباب المادية، إذ إن أجور الممثلين الشباب تكون أقل مقارنة بالنجوم الكبار، وهو ما يمثل عامل جذب للمنتجين، خاصةً في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج. إلى جانب ذلك، أسهمت الزيادة الكبيرة في عدد المسلسلات المعروضة في المواسم الدرامية المختلفة في خلق حاجة مُلِحّة إلى دماء جديدة، تملأ هذا الزخم الإنتاجي وتمنح الأعمال تنوعًا في الشخصيات والملامح.
ويضيف:" كما أن تغير ذائقة الجمهور عنصر أساسي في الاعتماد على وجوه جديدة على الشاشة، بعدما استهلك حضور عدد من النجوم الكبار عبر تكرار ظهورهم في أعمال متشابهة. هذا التغيير في توقعات المشاهدين فرض على صناع الدراما البحث عن طاقات شابة قادرة على كسر حالة التكرار، وتقديم شخصيات أكثر قربًا من الواقع اليومي".
ويؤكد الناقد المصري أن القيمة الحقيقية لهذا التوجه لا تتحقق إذا اقتصر على استغلال انخفاض الأجور، بل يجب أن ينبع من إيمان حقيقي بأن الحياة الفنية لا بد أن تستمر، وأن كل مرحلة زمنية لها نجومها ووجوهها القادرة على التعبير عنها.
ويضيف: "الدراما المصرية نجحت، عبر تاريخها، في توظيف الوجوه الجديدة بشكل ذكي، وهو ما أفرز لاحقًا نجومًا أصبحوا في الصفوف الأولى، على سبيل المثال تجربة الفنان محمد فراج، الذي بدأ مسيرته كوجه جديد نسبيًا، قبل أن يتحول مع وقت صغير إلى نجم بارز له حضوره وثقله الفني".
كما يشير إلى نماذج معاصرة، مثل طه الدسوقي وعصام عمر، اللذين تم توظيفهما بشكل جيد في أعمال حديثة، ما ساعد على إبراز موهبتهما وترسيخ مكانتهما لدى الجمهور.
ويختتم الناقد المصري حديثه بتأكيد أن نجاح أي وجه شاب لا يتوقف فقط على منحه الفرصة، بل يرتبط بشكل أساسي بجودة الكتابة الدرامية، قائلًا: "السيناريو الجيد هو القادر على كشف طاقات الممثلين، وصناعة شخصيات عميقة ومؤثرة، تتيح للوجوه الجديدة إثبات نفسها والتحول لاحقًا إلى أبطال حقيقيين. ومن هنا، تصبح الكتابة الواعية حجر الأساس في عملية تجديد الدماء التي يمكنها أن تصنع من الموهبة الشابة نجمًا يضيف إلى الصناعة ويثري مستقبلها".