الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

فنزويلا في قبضة واشنطن.. مكاسب النفط سلاح ترامب لتغيير خريطة العالم

  • مشاركة :
post-title
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

القاهرة الإخبارية - مازن إسلام

بعد ساعات فقط من العملية التي أطاحت بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيرًا لافتًا بقوله إن "الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي لن تكون موضع تشكيك مرة أخرى". غير أن الإطاحة السريعة بـ "مادورو"، وما رافقها من تعهُّد ترامب بـإدارة فنزويلا واستخراج ثروتها النفطية لصالح الشركات الأمريكية، لا تقتصر تداعياته على أمريكا اللاتينية وحدها، بل تمتد إلى النظام الدولي ككل، بحسب "بوليتيكو".

لا تعد فنزويلا مجرد دولة مجاورة للولايات المتحدة، بل تمثل نقطة ارتكاز في صراع القوى الكبرى؛ لما تمتلكه من قوة طاقة عالمية، فضلًا عن كونها رمزًا أيديولوجيًا لمعارضة الهيمنة الأمريكية، وشريكًا وثيقًا لخصوم واشنطن، وأيضًا بؤرة لإحدى أكبر أزمات اللجوء في التاريخ الحديث، وهي أزمة مُرشَّحة للتفاقم.

وترى صحيفة "بوليتيكو"، أن خطوة ترامب قد تؤثر في أسواق النفط العالمية، وتُعيد تشكيل التحالفات بين القوى الكبرى، وتُضعِف القواعد الدولية المتعلقة بالسيادة وعدم التدخل، ما يدفع قادة دول في أمريكا الجنوبية، مثل كولومبيا والمكسيك وكوبا، إلى إعادة تقييم مدى صلابة ضمانات سيادتهم.

النفط وهيمنة الطاقة

نظريًا، يبدو أن سيطرة الولايات المتحدة على قطاع النفط الفنزويلي مكسبًا اقتصاديًا ضخمًا، إذ تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكَّدة في العالم. غير أن الواقع أكثر تعقيدًا. فبحسب تقديرات متخصصة، لا يتجاوز إنتاج فنزويلا الحالي مليون برميل يوميًا، أي نحو 0.5% من الإنتاج العالمي، وتُصدِّر منها قرابة نصف هذا الرقم فقط.

وتعاني البنية التحتية للطاقة، منذ سنوات طويلة، من العقوبات وسوء الإدارة ونقص الاستثمارات، وتحديدًا منذ تأميم قطاع النفط في العقد الأول من الألفية. ورغم تعهُّد ترامب باستعداد شركات الطاقة الأمريكية لاستثمار "مليارات الدولارات" لإعادة تأهيل القطاع، يُحذِّر خبراء من أن جني العوائد قد يستغرق سنوات، وربما عقودًا.

ضربة لمصالح الصين

أحد الآثار الفورية المحتملة يتمثل في اقتراب واشنطن من السيطرة على مورد طاقة رئيسي للصين. فقد ضخَّت بكين عشرات المليارات من الدولارات في صفقات "النفط مقابل القروض" مع فنزويلا؛ لضمان إمدادات طاقة خارج نطاق النفوذ الأمريكي.

وبحسب بيانات، نقلتها وكالة "رويترز"، بلغ متوسط شحنات النفط الفنزويلي إلى الصين، أكبر مُشترٍ له، أكثر من 600 ألف برميل يوميًا في ديسمبر 2025، أي نحو 4% من إجمالي واردات الصين النفطية.

وقبل ساعات من اعتقاله، كان مادورو قد التقى، في قصر ميرافلوريس، المبعوث الصيني الخاص لشؤون أمريكا اللاتينية، تشيو شياو تشي، في مؤشر على عمق الشراكة المتنامية. ويرى مراقبون أن خسارة هذه العلاقة الإستراتيجية تمثل انتكاسة كبيرة للصين، وقد تمنح واشنطن ورقة ضغط مهمة مستقبلًا.

ورغم ذلك، سعى ترامب إلى تهدئة المخاوف الصينية، قائلًا في مقابلة إعلامية إن "علاقته بالرئيس الصيني شي جين بينج جيدة جدًا"، مؤكدًا أن "الصين ستحصل على النفط"، في إشارة إلى رغبة أمريكية في تجنب تصعيد مباشر مع بكين.

إيران تحت المجهر

ويحمل سقوط مادورو تداعيات ثقيلة على إيران، التي ارتبطت مع فنزويلا بعلاقات وثيقة منذ مطلع الألفية، في إطار مواجهة مشتركة للنفوذ الأمريكي.

وشكَّلت كاراكاس موطئ قدم إستراتيجيًا لطهران في نصف الكرة الغربي، وساعدت في الالتفاف على العقوبات عبر تبادل الوقود والمعدات والخبرات، إضافة إلى تعاون عسكري شَمَل تزويد فنزويلا بطائرات مُسيّرة إيرانية.

ويُرجَّح أن يؤدي انهيار هذه الشراكة إلى إضعاف القيادة الإيرانية، التي تواجه بالفعل ضغوطًا داخلية وخارجية متزايدة، خاصةً بعد الهجوم الإسرائيلي الأمريكي المشترك خلال الصيف الماضي.

كسر القواعد الدولية

ويُجمِع خبراء على أن اعتقال رئيس دولة في منصبه يُشكِّل سابقة تهز الأعراف الدولية. وكما اعتُبِرَت حرب العراق نقطة تحول في النظام الدولي القائم بعد الحرب العالمية الثانية، يرى البعض أن خطوة ترامب قد تُسرِّع تحولات جديدة في سلوك القوى الكبرى.

وتحذِّر تحليلات من أن روسيا والصين قد تنظران إلى تجاوز واشنطن للأعراف الدولية؛ بوصفه ضوءًا أخضر لتكريس سياسات مماثلة. ففي حين تمضي روسيا في خططخا بأوكرانيا، تواصل الصين التلويح باستعادة السيطرة على تايوان، وهي خطوة لطالما عارضتها الولايات المتحدة بحجج تتعلق بالسيادة، قد تفقِد الآن جزءًا من مصداقيتها.

نصف الكرة الغربي تحت الضغط

مثَّل اعتقال مادورو أقوى تحرك لإدارة ترامب في إطار إعادة توجيه السياسة الأمريكية نحو تعزيز النفوذ في نصف الكرة الغربي. وفي الساعات التي تلت العملية، أطلق ترامب تصريحات أثارت قلق دول أخرى في المنطقة، محذرًا من أن "شيئًا ما يجب أن يُفعل حيال المكسيك"، ومشيرًا إلى إمكانية التدخل في ملف عصابات المخدرات. كما وجَّه تحذيرات مباشرة إلى الرئيس الكولومبي جوستافو بيترو.

أما كوبا، التي تعتمد بشكل كبير على النفط الفنزويلي المدعوم، فقد وجدت نفسها في موقع شديد الحساسية. وتشير بيانات شحن إلى أن فنزويلا زوَّدت كوبا بنحو 27 ألف برميل يوميًا من النفط والوقود خلال الأحد عشر شهرًا الأولى من العام الماضي، وهو دعم يُنسَب إليه الفضل في إبقاء الاقتصاد الكوبي قائمًا.

ووصف ترامب كوبا بأنها "دولة فاشلة"، مُلمِّحًا إلى أنها ستكون ضمن الملفات المقبلة. في المقابل، شدد وزير الخارجية ماركو روبيو، المعروف بمواقفه المتشددة تجاه هافانا، على أن فنزويلا "عانت من تدخل أمني كوبي واسع"، في رسالة اعتبرت تحذيرًا مباشرًا للقيادة الكوبية.