الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

المخرج محمد صيام: عرض "كولونيا" في مصر بمثابة عودة إلى البيت

  • مشاركة :
post-title
المخرج محمد صيام

القاهرة الإخبارية - ولاء عبد الناصر

بين صمتٍ محمّل بالمعاني، وذاكرةٍ قادرة على استدعاء الغائبين بروائحهم قبل ملامحهم، يعود المخرج والمؤلف المصري محمد صيام إلى شاشة السينما بفيلم "كولونيا"، كعمل إنساني شديد الخصوصية، يغوص في مناطق حساسة من الفقد والعلاقات العائلية المؤجلة، ويطرح أسئلة وجودية بسيطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها. فيلم لا يعتمد على الحدث بقدر ما يراهن على الإحساس، ولا يمنح الحوار المساحة الأكبر بقدر ما يجعل من الصمت لغة أساسية للحكي.

بعد جولة ناجحة في عدد من المهرجانات السينمائية الدولية، وحصد تفاعل لافت وعدد من الجوائز المهمة، يستعد "كولونيا" للعرض في دور السينما المصرية اعتبارًا من 7 يناير، على أن ينطلق في دور العرض العربية يوم 15 يناير، ليعود إلى جمهوره الطبيعي بعد رحلة عالمية أثبت خلالها قدرته على لمس مشاعر المتلقين على اختلاف ثقافاتهم.

تجربة إنسانية مكثفة

يقدّم "كولونيا" تجربة درامية تدور أحداثها خلال ليلة واحدة فقط، وهي بنية زمنية اختارها محمد صيام بعناية، ليضع الشخصيات والمشاهد معًا في مواجهة مباشرة مع كل ما تم تأجيله وكتمانه عبر سنوات.

الفيلم ينشغل بمشاعر الفقد والذاكرة والعلاقات العائلية المعقدة، معتمدًا على الإحساس الداخلي أكثر من الحدث المباشر، وعلى ما يُخفى بين الشخصيات بقدر ما يُقال صراحة.

استدعاء الذكريات

في حديثه لموقع "القاهرة الإخبارية"، كشف محمد صيام أن الشرارة الأولى لفيلم "كولونيا" لم تنطلق من فكرة درامية تقليدية، بل من إحساس إنساني خالص. وأوضح أن العمل وُلد من شعور الفقد الذي يعجز الإنسان أحيانًا عن التعبير عنه بالكلمات، بينما تبقى الروائح قادرة على استدعاء الذكريات بكل ثقلها وصدقها.

وأشار إلى أن سؤالًا بسيطًا شكّل نقطة البداية في رحلة الكتابة: ماذا لو كان الشيء الوحيد المتبقي من شخص نحبه هو رائحته؟ ومن هذا السؤال بدأت صناعة فيلم يعتمد على الإحساس أكثر من الحدث، وعلى غير المنطوق أكثر مما يُقال بوضوح.

ليلة واحدة بلا مهرب

تدور أحداث "كولونيا" خلال ليلة طويلة تجمع بين أب وابنه، وهي مساحة زمنية يرى "صيام" أنها تشبه لحظات الحقيقة في حياتنا، تلك اللحظات التي لا تحتمل التأجيل ولا تسمح بالهروب.

وأوضح أن الهدف كان وضع الشخصيات، ومعها الجمهور، في مواجهة متصلة دون فواصل أو استراحات، بحيث تتراكم المشاعر تدريجيًا حتى تبلغ ذروتها.

الصمت لغة أساسية

عن طبيعة العلاقة بين الأب والابن في الفيلم، وصفها المخرج بأنها علاقة مشحونة بالتوتر والصمت، مؤكدًا أن العمل انشغل بالمساحات غير المنطوقة بقدر أكبر من الحوارات المباشرة.

وأشار إلى أن الممثلين خضعوا لجلسات طويلة ناقشوا خلالها الذكريات والإحباطات والحب غير المُعلن، ليصبح الصمت في الفيلم لغة قائمة بذاتها، لا مجرد فراغ درامي.

ويرى "صيام" أن هذه العلاقة تلامس وجدان المشاهد لأنها تشبه الكثير من العلاقات اليومية التي نعيشها دون أن نملك الشجاعة الكافية للتعبير عمّا بداخلنا.

الصدق مفتاح التأثير

وعلى الرغم من أن "كولونيا" لا يُعد سيرة ذاتية، شدّد محمد صيام على أنه فيلم شديد الصدق، معتبرًا أن أي شخص مرّ بعلاقة معقدة مع أحد والديه، أو مع شخص عزيز لم يستطع أن يقول له ما يريد في الوقت المناسب، سيجد نفسه حاضرًا داخل العمل.

وأكد أن هذا الصدق الإنساني كان السبب الرئيسي وراء التفاعل القوي الذي شهده الفيلم خلال عروضه في المهرجانات السينمائية.

ثنائية تمثيلية

وعن التعاون مع أبطال الفيلم، وصف "صيام" التجربة بالثرية، مشيرًا إلى أن الفنان الفلسطيني كامل الباشا يمتلك ثقلًا إنسانيًا وتاريخًا فنيًا انعكسا بوضوح على أدائه، في حين يتمتع أحمد مالك بطاقة صادقة وحساسية عالية. وأضاف أن التحدي الأكبر كان خلق مساحة آمنة يلتقي فيها العمق مع الاندفاع، وهو ما انعكس بوضوح على الشاشة.

جائزة الجونة

وحول فوز أحمد مالك بجائزة أفضل ممثل في مهرجان الجونة السينمائي عن دوره في "كولونيا"، أكد محمد صيام أن الجائزة كانت مستحقة ومؤثرة، موضحًا أن الأداء جاء بعيدًا عن الاستعراض، ومليئًا بالتفاصيل والكسور الإنسانية التي تشبه الجميع.

وأضاف أن الجائزة حملت رسالة واضحة مفادها أن الصدق في الأداء يصل دائمًا إلى الجمهور.

الحفاظ على التوتر دون ميلودراما

واعترف "صيام" بأن أصعب ما واجهه خلال صناعة الفيلم كان الحفاظ على التوتر العاطفي دون السقوط في فخ الميلودراما أو المونودراما، مؤكدًا أن الحل كان في البساطة، والثقة في النص، وفي الممثلين، وفي وعي الجمهور وقدرته على التلقي والتفاعل.

العرض في مصر

بعد جولة مهرجانات ناجحة، تُوِّج "كولونيا" بالحصول على جائزة الجمهور في مهرجان البحر الأحمر السينمائي، وهو ما اعتبره "صيام" دليلًا على وصول الفيلم إلى الناس. وأكد أن خروج المشاهدين متأثرين، أو صامتين، أو راغبين في الحديث بعد العرض، هو أكبر برهان على أن العمل لمس شيئًا حقيقيًا بداخلهم.

أما عن عرض "كولونيا" في دور السينما المصرية، فيصفه محمد صيام بأنه "العودة إلى البيت"، مشددًا على أن هذه اللحظة كانت الأكثر انتظارًا، لأن الفيلم صُنع ليُشاهَد وسط الناس، لا من مسافة بعيدة.

وأعرب "صيام" عن أمنيته أن يخرج المُشاهد من الفيلم وهو يفكر في شخص غاب عنه، أو مكالمة لم يُجرها، أو كلمة لم يقلها في الوقت المناسب، معتبرًا أن تحريك إحساس صغير داخل المتلقي هو أقصى ما يتمناه من هذا العمل.