الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

عملية "الديناميت الذهبي".. كيف هرّبت أمريكا ماتشادو إلى نوبل؟

  • مشاركة :
post-title
زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو

القاهرة الإخبارية - أحمد صوان

على مدى ثلاث ساعات، ظلّت زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو وطاقمها الصغير ينجرفون على متن قارب صغير في خليج فنزويلا، حيث كانت في طريقها لتسلم جائزة نوبل للسلام في النرويج. وعندما سقط جهاز تحديد المواقع العالمي (GPS) الخاص بها في البحر الهائج وتعطل نظام النسخ الاحتياطي، لم تلتقِ بالفريق المتعاون مع الاستخبارات الأمريكية في نقطة الالتقاء المحددة، ما أدى إلى عملية بحث محمومة للعثور عليها في المياه الخطرة.

لكن فجر الثلاثاء الماضي، استطاع الفريق الأمريكي إنقاذ المرأة التي أبحرت مرتدية سترة سميكة وقبعة بيسبول سوداء في قارب صيد بسيط، بعيدًا عن أعين نظام الرئيس نيكولاس مادورو.

وفي مقطع فيديو يُثبت أنها على قيد الحياة، كانت ماتشادو تحاول تثبيت نفسها بينما يتأرجح القارب على الأمواج، وهي تقول: "اسمي ماريا كورينا ماتشادو، أنا على قيد الحياة، وبصحة جيدة، وممتنة للغاية".

ووفق ما نقلته صحيفة "وول ستريت جورنال"، عن قائد فريق الإنقاذ برايان ستيرن، والذي يرأس منظمة متخصصة في عمليات الاستخراج هذه، ويعمل بها قدامى المحاربين في العمليات الخاصة والاستخبارات، كانت المهمة تحمل اسم "عملية الديناميت الذهبي". وهو اسم مستوحى من جائزة نوبل للسلام ومؤسسها، ألفريد نوبل، الكيميائي السويدي الذي اخترع الديناميت.

تنسيق خطر

على مدى ثلاثة أيام، عمل ستيرن وأكثر من ثلاثين من معاونيه على تهريب المعارضة الرئيسية للزعيم الفنزويلي مادورو، وسط تصاعد حملة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإجباره على التنحي.

ونقلت عنه "وول ستريت جورنال" أنه كان على اتصال دائم بكبار المسؤولين العسكريين الأمريكيين قبل وأثناء العملية، وشارك موقعهم المباشر، ووصف الحواجز، وأرسل التحديثات، وفي مرحلة ما سأل عما إذا كان بإمكان الجيش رصد قارب ماتشادو عندما فقدوا الاتصال به.

ورغم أن العملية مُوّلت من قِبل متبرعين من القطاع الخاص، دون أي تمويل من الحكومة الأمريكية، لكن المسؤولين الأمريكيين -من البيت الأبيض إلى كبار الضباط العسكريين والدبلوماسيين الإقليميين- تابعوا الرحلة لحظة بلحظة عبر رسائل "واتساب" ورسائل صوتية من ستيرن وفريقه.

استغرقت رحلة ماتشادو ما يقرب من ثلاثة أيام، سافرت برًا من ضاحية كاراكاس إلى قرية صيد على ساحل البحر الكاريبي في فنزويلا، ثم بالقارب إلى جزيرة كوراساو الهولندية، وهي رحلة بحرية استغرقت نحو 12 ساعة، ومن هناك أقلتها طائرة خاصة إلى أوسلو، وكادت أن تفوت حفل توزيع الجوائز الأربعاء، حيث تسلمت ابنتها الجائزة.

حسب التقرير، بدأت عملية ستيرن في الساعة التاسعة مساءً الجمعة 5 ديسمبر، عندما تلقى مكالمة من زميل سابق كان يعمل في المخابرات الأمريكية، والذي قال له إنه لديه مهمة خاصة لاستخراج "بضاعة مهمة" من فنزويلا.

عندما أفصح مصدره عن أنها امرأة، أدرك ستيرن فورًا أنها ماتشادو، كما أدرك أنها ستكون عملية الاستخراج الأكثر خطورة في مسيرته المهنية، وقال عن ذلك: "هذا حلم أو كابوس أي خبير في مكافحة التجسس".

ونقل التقرير عن ستيرن قوله: "الجميع يعرف وجهها.. نقل ماريا يشبه نقل هيلاري كلينتون".

قارب وطائرة

بينما كانوا يخططون لتسعة سيناريوهات محتملة على الأقل، من عمليات إنقاذ جوية أو بواسطة مروحيات إلى تهريبها عبر جيانا أو كولومبيا، قال ستيرن إن فريقه زرع شائعات كاذبة لإبقاء العالم يبحث عنها في أماكن خاطئة.

زعمت بعض الروايات أنها في أوروبا، وأخرى أنها في سيارة متجهة إلى كولومبيا، وثالثة أنها تسللت خارج البلاد على متن طائرة أمريكية كانت تُقلّ مُرحّلين من فنزويلا.

في الحقيقة، غادرت ماتشادو مخبئها بعد ظهر الاثنين، مرتديةً شعرًا مستعارًا ومتنكرة، كما حرص فريق ستيرن على التأكد من عدم تتبع ماتشادو والفريق رقميًا. كانت الخطة تقضي بأن تلتقي وشركاؤها بالعملاء الذين ينتظرونها في قرية الصيد، ثم يسافرون على متن قاربهم الصغير عبر خليج فنزويلا إلى نقطة التقاء متفق عليها في عرض البحر، ومن هناك سينقلها ستيرن إلى كوراساو.

لكن بدأت الأمور تسوء، كان العملاء الذين ينتظرون ماتشادو على الشاطئ يعانون من أعطال ميكانيكية، إذ اختاروا قارب صيد متهالكًا عمدًا على أمل تمييزه عن القوارب ذات الأغراض الخاصة التي يستخدمها مهربو المخدرات والتي قصفها الجيش الأمريكي في الأشهر الأخيرة، وتسبب إصلاح عطل المحرك في تأخير 12 ساعة.

كانت ماتشادو وطاقمها يخططون للإبحار مع بزوغ فجر الثلاثاء، لكنهم غادروا مع غروب الشمس، وبمجرد وصولهم إلى البحر واجه القارب المكشوف أمواجًا يصل ارتفاعها إلى 10 أقدام، كما أن سوء الأحوال الجوية أبطأ من سرعتهم، لكنه ساعد في إخفاء السفينة عن الرادارات البحرية.

وبينما كان التعرض للقصف الأمريكي مصدر قلق دائم، وقال ستيرن إنه أبلغ المسؤولين الأمريكيين بأنه يعمل في المنطقة، وكان يدرك أن قيام قاربين بتسليم البضائع في جنح الظلام سيثير الشكوك، لكن بعد ست ساعات لم يكن قارب ماتشادو قد وصل بعد، والأكثر إثارة للقلق أنه انقطع الاتصال به تمامًا.

نحو الساعة الحادية عشرة مساءً، عادت الاتصالات فجأة، كان قارب ماتشادو ابتعد عن نقطة الالتقاء المتفق عليها بمسافة 25 ميلًا، وعندما عثروا أخيرًا على الزورق، صعدت ماتشادو على متن القارب الثاني، ثم أرسل ستيرن صورة عبر الهاتف الفضائي وخدمة ستارلينك إلى مسؤولين حكوميين وعسكريين أمريكيين، تظهر الاثنين بابتسامات متعبة على متن القارب المظلم.

لم تمكث ماتشادو في الجزيرة سوى بضع ساعات، وفي صباح الأربعاء استقلت طائرة خاصة قادمة من ميامي، وفرها أحد المتبرعين للعملية، وغادرت الطائرة متجهة إلى أوسلو في الساعة 6:42 صباحًا.

وهناك في خطاب ألقته أمام مؤيديها، وصفت عملية الإنقاذ بأنها "معجزة".