اجتاحت موجة غضب عارمة الشارع الألماني، يوم الجمعة، إذ تخلى آلاف الطلاب عن فصولهم الدراسية في نحو 90 مدينة وبلدة؛ للتعبير عن رفضهم القاطع لقرار البرلمان بإصلاح نظام الخدمة العسكرية، والذي يُلزم جميع الشبان في سن الثامنة عشرة بملء استمارة تفصيلية حول لياقتهم البدنية واستعدادهم النفسي للانضمام إلى القوات المسلحة، فيما تبقى الاستمارة اختيارية للفتيات.
غضب طلابي
ولا يتوقف الإصلاح التشريعي الجديد عند حد الاستمارات، بل يمتد ليشمل إعادة الفحوصات الطبية الإلزامية للشبان المولودين عام 2008 وما بعده، بحسب صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية .
وفي خطوة أكثر إثارةً للجدل بحسب ما تصف الصحيفة، منح التشريع الحكومة صلاحية استدعاء جزء من الخاضعين للفحص الطبي للخدمة الإلزامية في حال فشل الجيش في استقطاب العدد الكافي من المتطوعين، شريطة موافقة البرلمان على ذلك بتصويت منفصل.
وأوضحت مبادرة "الإضراب المدرسي ضد التجنيد الإجباري" التي نظمت الاحتجاجات على موقعها الإلكتروني أن "السياسيين والجيش الألماني يتجادلون حول كيفية إعادة التجنيد الإجباري، لكن لا أحد يتحدث إلينا أو يسألنا عما نريد".
رفض للتجنيد
في قلب العاصمة برلين، عبّر الطلاب المحتجون عن مخاوفهم العميقة من تحوّلهم إلى أدوات في صراعات لا يؤمنون بها، إذ تساءل مارتن، الطالب الثانوي الذي يبلغ من العمر 16 عامًا من ولاية براندنبورج، في حديثه لبوليتيكو بنبرة استنكارية: "لماذا نحل الحروب بالتسلُّح؟ هذا مجرد تكرار لما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية".
وكشف الشاب أنه بدأ بالفعل في البحث عن طرق للتهرب من التجنيد، سواء عبر الحصول على تقارير نفسية أو شهادات مرضية، متسائلًا: "لماذا أطيع أوامر كبار السن؟ سأخضع لتدريبات لا تفيدني في الحياة سوى تعليمي كيفية قتل البشر".
أما نيلس، البالغ من العمر 17 عامًا، فقدَّم رؤية أكثر اعتدالًا رغم رفضه للقانون.
وقال الطالب الثانوي لبوليتيكو إنه لا يعارض انضمام أقرانه طوعًا للقوات المسلحة، لكن المشكلة تكمن في الإجبار.
واقترح أن "تركز الحكومة على جعل مهنة الجندي أكثر جاذبية لمن يرغبون فيها فعلًا"، بدلًا من فرضها قسرًا على الجميع.
دفاع عن الديمقراطية
في محاولة لاحتواء الغضب المتصاعد، نشر وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، رسالة فيديو عبر إنستجرام موجهة للطلاب المحتجين.
وأكد الوزير، وفقًا لما نقلته بوليتيكو، أن حرية التعبير والاحتجاج "أحد أعظم منجزات الديمقراطية"، لكنه شدد على أن "أسلوب حياتنا بأكمله هو هدية علينا الدفاع عنها يوميًا".
وأضاف بيستوريوس بنبرة حاسمة: "إذا أردتم العيش بنفس الطريقة مستقبلًا، فعليكم الاستعداد للدفاع عن ذلك، فلا الديمقراطية ولا الدولة قادرتان على الدفاع عن نفسيهما، بل يجب على الناس القيام بذلك كما فعلوا في الماضي".
التهديدات الروسية
يأتي هذا الإصلاح المثير للجدل ضمن إستراتيجية ألمانية واسعة لتعزيز قدراتها العسكرية في مواجهة التهديدات المتصاعدة من روسيا.
وكشفت بوليتيكو أن برلين تسعى لزيادة قواتها العسكرية النشطة من 180 ألف جندي حاليًا إلى 260 ألف جندي، بينما تخطط لمضاعفة قوات الاحتياط من 55 ألفًا إلى 200 ألف جندي؛ لتلبية معايير الجاهزية القتالية لحلف شمال الأطلسي (الناتو).
وأشارت الصحيفة الأمريكية إلى أن الأحزاب الحاكمة "الكتلة المحافظة والحزب الديمقراطي الاشتراكي" خاضت مفاوضات شاقة استمرت أشهرًا قبل التوصل لاتفاق نهائي بشأن التعديل القانوني في نوفمبر الماضي، ما يعكس حساسية الملف وتعقيداته السياسية والاجتماعية.