تتحدى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بشكل غير مسبوق سلطة المحاكم الفيدرالية، متجاهلة أوامر قضائية صريحة بوقف ترحيل مهاجرين فنزويليين، في حين أن هذه المواجهة المتصاعدة بين السلطتين التنفيذية والقضائية تثير مخاوف خطيرة حول مستقبل توازن السلطات في الولايات المتحدة.
إحياء قانون قديم
كشفت صحيفة "واشنطن بوست" أن الرئيس ترامب وقع سرًا على إعلان يستدعي فيه "قانون الأعداء الأجانب" لعام 1798، وهو تشريع لم يُستخدم سابقًا إلا في أوقات الحرب، لترحيل فنزويليين ممن تقول الحكومة إنهم ينتمون إلى عصابة "ترين دي أراجوا" دون الإجراءات القانونية المعتادة.
يُذكر أن هذا القانون التاريخي استخدم في الماضي لاحتجاز عشرات الآلاف من الأمريكيين من أصل ياباني خلال الحرب العالمية الثانية.
وفقًا للمصادر التي تحدثت للصحيفة، تم تطوير خطة الترحيل من قبل نائب رئيس الموظفين للسياسة ستيفن ميلر ووزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم.
ويجادل مستشارو ترامب بأنهم يستخدمون آليات قانونية موجودة بالفعل، على الرغم من ندرة استخدامها في التاريخ الحديث، مبررين ذلك بالقول "إنها مدرجة في القوانين".
تحدٍ مباشر للقضاء
في يوم السبت، رفع خمسة فنزويليين دعوى قضائية لمنع ترحيلهم، وأصدر القاضي الفيدرالي جيمس بوسبرج قرارًا بوقف عملية إبعادهم.
خلال جلسة طارئة، وسع القاضي أمره ليشمل منع ترحيل جميع المهاجرين الفنزويليين باستخدام سلطة "قانون الأعداء الأجانب"، وأمر بإعادة أي طائرات تحمل مرحّلين إلى الولايات المتحدة.
رغم هذه الأوامر القضائية الواضحة، أقلعت ثلاث طائرات محملة بالمرحلين، وهبطت جميعها في السلفادور بعد صدور أمر القاضي، وأكدت إدارة ترامب أن الطائرات كانت تحمل 137 شخصًا ممن وصفتهم بأعضاء عصابات.
دافعت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض كارولين ليفيت عن تصرفات الإدارة، وأكدت أنها تمت "ضمن حدود قانون الهجرة"، مضيفة أن هناك "تساؤلات حول ما إذا كان الأمر الشفهي يحمل نفس وزن الأمر المكتوب" وهو تمييز لا تعترف به المحاكم عادة.
كما أطلق "مسؤول الحدود" في البيت الأبيض توم هومان تصريحًا مثيرًا للجدل لشبكة "فوكس نيوز" قائلًا: "لن نتوقف. لا يهمني ما يعتقده القضاة"، مؤكدًا أن أوامر بوسبرج جاءت متأخرة جدًا لتكون للمحكمة سلطة قضائية على المسألة.
إنذارات خبراء القانون
أعرب العديد من خبراء القانون عن قلقهم العميق من هذا التصعيد في المواجهة بين السُلطات.
وقال ستيف فلاديك، أستاذ القانون بجامعة جورج تاون، إن البلاد تشهد "درجة غير مسبوقة من المقاومة، عن قصد أو غير ذلك، للأوامر القضائية ضد الحكومة الفيدرالية".
وأضاف: "من الصعب تخيل أن هذا الوضع سيتحسن قبل أن يزداد سوءًا. إذا كانت الحكومة على حق في أن هذه الأوامر معيبة قانونيًا، فيجب عليها استئنافها، وليس مقاومتها".
كما أوضح مايكل ج. جيرهارت، أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق بجامعة نورث كارولينا، أن رد إدارة ترامب على أمر القاضي قد يكون بداية لأولى مظاهر التحدي القضائي من قبل ترامب.
وقال إن منطق الإدارة للسماح لرحلات الترحيل بإكمال مهمتها "صعب جدًا تصديقه"، مضيفًا أن المحامين ملزمون "باتباع القانون واحترام واتباع الأوامر القضائية، وحاليًا لدينا مسؤولون حكوميون يعملون خارج نطاق القانون".
تجاهل أوامر المحاكم
ليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها إدارة ترامب اتهامات بانتهاك أوامر المحاكم، إذ اتهم محامو رشا علوية، أخصائية زراعة كلى تبلغ من العمر 34 عامًا من جامعة براون، الحكومة بانتهاك "متعمد" لحكم يمنع ترحيلها.
وقد أعيدت "علوية" إلى لبنان بعد أن التمس ابن عمها من قاضٍ في ماساتشوستس إبقاءها في البلاد وحصل على أمر تقييدي.
كما أفاد محامو منظمات الصحة العالمية التي رفعت دعوى قضائية لإعادة تشغيل مليارات الدولارات من مدفوعات المساعدات الخارجية، في تقرير حالة، أن إدارة ترامب لم تمتثل بعد بشكل كامل لأمر قاضٍ، على الرغم من أحكام متكررة تفرض مدفوعات في الأسابيع الأخيرة.
الشهر الماضي، حكم القاضي الأمريكي جون ج. ماكونيل جونيور من رود آيلاند بأن الإدارة انتهكت "النص الواضح" لأمره برفع تجميد مؤقت لتريليونات الدولارات في المنح والقروض الفيدرالية.
واجهت إدارة ترامب انتكاسات في المحكمة بسبب سلسلة الأوامر التنفيذية، التي أثارت أكثر من 120 دعوى قضائية.
وقد منع القضاة العديد من جهود الإدارة الأكثر بروزًا، بما في ذلك إنهاء حق المواطنة بالولادة، وفصل آلاف العمال الاختباريين، وتفكيك بعض مبادرات التنوع الفيدرالية.
وقد انتقد مسؤولو ترامب بشدة تلك الأحكام، خاصة الأوامر الزجرية الوطنية التي يصدرها قضاة المحاكم الفيدرالية، إذ صرح نائب الرئيس جيه دي فانس بأن القضاة "غير مسموح لهم بالسيطرة على السلطة المشروعة للسلطة التنفيذية"، بينما دعا إيلون ماسك إلى عزل القضاة.
كما انتقدت الإدارة الأوامر التقييدية المؤقتة في ملف حديث للمحكمة العليا يطلب من القضاة السماح بحظر ترامب لحق المواطنة بالولادة في بعض الولايات.
وكتبت المدعية العامة بالوكالة سارة هاريس: "يجب أن تعلن هذه المحكمة أن ما يكفي هو كافٍ قبل أن يتعمق اعتماد المحاكم المتزايد على الأوامر الزجرية الشاملة.. لقد أظهرت سنوات من الخبرة أن السلطة التنفيذية لا يمكنها أداء مهامها بشكل صحيح إذا كان بإمكان أي قاضٍ في أي مكان منع كل إجراء رئاسي في كل مكان."
أزمة دستورية
تشير الصحيفة الأمريكية إلى أن هذا الصراع المتصاعد بين الرئيس ترامب والنظام القضائي الفيدرالي، يُمثل تحديًا غير مسبوق للتوازن الدستوري للسلطات.
وبينما تواصل الإدارة تنفيذ أجندتها القوية في مجال الهجرة والأمن القومي، تبقى المحاكم الفيدرالية خط الدفاع الأخير لضمان التزام الإدارة بالأطر القانونية والدستورية.