الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

الآثار الاقتصادية المحتملة للتوافق الأمريكي الروسي

  • مشاركة :
post-title
التوافق الأمريكي الروسي

القاهرة الإخبارية - رضوى محمد

إن التوافق الأمريكي الروسي، الذي يلوح في الأفق بشدة منذ تنصيب دونالد ترامب، في 20 يناير 2025، سيُحدث تغييرًا ملحوظًا في القضايا الاقتصادية العالمية، إذ بلغت العلاقات الروسية الأمريكية مرحلة الانهيار في عهد الرئيس الأمريكي جو بايدن، مما أثر سلبًا على العديد من المتغيرات الاقتصادية. ومع ذلك، من المرجح أن تتحسن هذه المتغيرات في عام 2025 في ظل المفاوضات الحالية بين الجانبين الأمريكي والروسي.

وتأسيسًا على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على الآثار الاقتصادية المُحتملة من عودة العلاقات الأمريكية الروسية.

آثار اقتصادية محتملة من التوافق الروسي الأمريكي
مُحددات مهمة

يُمكن توضيح مجموعة من المحددات حول العلاقات الاقتصادية بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية على النحو التالي:

(-) حجم التبادل التجاري: تذبذبت العلاقات التجارية بين أمريكا وروسيا بشكل كبير خلال الفترة من 2013 إلى 2024، وبدأت في الانهيار منذ عام 2022، أي أثناء رئاسة جو بايدن للولايات المتحدة الأمريكية. ففي عام 2024، قُدِّر إجمالي تجارة السلع الأمريكية مع روسيا بـ 3.5 مليار دولار فقط.

وبمتابعة السلسلة الزمنية التي يوضحها الشكل (1)، يتبين أنه في عام 2013، خلال فترة رئاسة باراك أوباما، بلغت الصادرات الأمريكية إلى روسيا نحو 11.1 مليار دولار، لكنها انخفضت قليلًا في عام 2014، حيث بلغت 10.8 مليار دولار، واستمرت في الانخفاض إلى 5.83 مليار دولار في عام 2016. ومع ذلك، شهدت انتعاشًا في عام 2017، أي بداية الولاية الأولى لدونالد ترامب، إذ سجلت 7 مليارات دولار. غير أنها انخفضت بشدة بين عامي 2021 و2024، حيث تراجعت من 6.39 مليار دولار إلى 526 مليون دولار، أي بنسبة انخفاض بلغت 91.8%، وهي نسبة كبيرة للغاية.

الشكل (1) يوضح صادرات الولايات المتحدة الأمريكية لروسيا خلال الفترة من 2013 إلى 2024- المصدر: منظمة التجارة العالمية

(-) حجم الاستثمارات المتبادلة: استثمر عدد كبير من الشركات الأمريكية، يُقدَّر بالآلاف، داخل السوق الروسي، وكما يوضح الشكل (2)، بلغ حجم الاستثمارات الأمريكية المباشرة داخل روسيا نحو 14.17 مليار دولار أمريكي في عام 2019، إلا أنها انخفضت في عام 2023 إلى نحو 7.67 مليار دولار أمريكي.

وقد استفاد الاقتصاد الروسي بشكل كبير من وجود هذه الشركات، حيث وفرت، في عام 2021، وظائف لأكثر من 410 آلاف شخص، وحققت إيرادات سنوية بقيمة 67.8 مليار دولار، وسيطرت على 51.5 مليار دولار من رأس المال و31.1 مليار دولار من الأصول.

الشكل (2) يوضح حجم الاستثمارات المباشرة الأمريكية في روسيا خلال الفترة من 2019 إلى 2023

وفي المقابل، تمتلك روسيا حيازات واسعة النطاق داخل الولايات المتحدة الأمريكية عبر صناديق الاستثمار الخاصة، كما ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر لروسيا داخل الولايات المتحدة الأمريكية من 3.03 مليار دولار في عام 2021 إلى 3.13 مليار دولار في عام 2022.

آثار اقتصادية

يحمل التوافق الأمريكي الروسي عددًا من التوقعات الإيجابية على المستوى الاقتصادي، وذلك على النحو التالي:

(-) انتعاش الاقتصادين: فرضت عقوبات غربية على الاقتصاد الروسي منذ عام 2014، بسبب تنفيذها عمليات عسكرية في أوكرانيا؛ مما عرقل قدرتها على الاقتراض من أسواق المال الأجنبية، وحدّ من وصولها إلى الاستثمارات الغربية والتقنيات الحديثة. كما أنه في فبراير 2022، خرجت أكثر من ألف شركة دولية من السوق الروسية؛ مما أدى إلى تسجيل معدلات نمو سالبة منذ الربع الثاني من عام 2022، إذ بلغت (-4.5%) و(-3.5%) و(-2.7%) و(-1.6%) حتى الربع الأول من عام 2023 على التوالي. وعلى الرغم من ارتفاع معدلات النمو حتى الربع الأول من عام 2024، فإنها بدأت في الانحدار مرة أخرى من 5.4% إلى 3.1% في الربع الثالث من عام 2024، كما يوضح الشكل (3).

وفي السياق ذاته، فرض مجلس الاتحاد الأوروبي عقوبات إضافية على الاقتصاد الروسي بمناسبة الذكرى الثالثة للحرب الروسية الأوكرانية، ومن المحتمل بشكل كبير أن تنجح المفاوضات مع الجانب الأمريكي، بسبب رغبة روسيا الشديدة في تخفيف هذه العقوبات، إذ إنها تمس قطاعات حيوية، مثل:

(*) التجارة: تأثرت التجارة بإضافة 53 كيانًا جديدًا إلى قائمة الجهات التي تدعم المجمع العسكري والصناعي الروسي في عدوانه على أوكرانيا.

(*) القطاع المصرفي والبنكي: تأثر القطاع المصرفي والبنكي من خلال فرض حظر على معاملات المؤسسات الائتمانية أو المالية المُنشأة خارج روسيا، والتي تستخدم نظام نقل الرسائل المالية"SPFS" التابع للبنك المركزي الروسي، وقطاعات أخرى ذات أهمية اقتصادية كبيرة.

وعليه، فإن تحسن العلاقات الأمريكية الروسية، سيمكن الاقتصاد الروسي من تحقيق نمو أسرع وأكثر استدامة، وتعويض الخسائر التي يتحملها نتيجة العقوبات الأوروبية المفروضة عليه.

الشكل (3) يوضح معدل النمو الاقتصادي في روسيا خلال الفترة من الربع الرابع 2021 إلى الربع الثالث 2024- المصدر: خدمة إحصاء الحكومة الفيدرالية

وعلى الجانب الآخر، خسرت الشركات الأمريكية أكثر من 300 مليار دولار؛ بسبب انسحابها من السوق الروسية، كما أن الاقتصاد الأمريكي تأثر سلبًا بانقطاع العلاقات مع روسيا، التي تعد أكبر مورد للأسمدة منخفضة التكلفة في العالم. ونتيجة لذلك، ارتفع التضخم في أسعار السلع الزراعية والمواد الغذائية، وكذلك في أسعار الطاقة؛ مما أدى إلى تصاعد منحنى معدل التضخم في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب، كما يوضح الشكل (4).فقد ارتفعت معدلات التضخم من 5% في مايو 2021 إلى 8.3% في أبريل 2022، وحتى الوقت الحالي، لم يتمكن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من تحقيق معدل الفائدة المستهدف، الذي يُقدَّر بـ 2%، إذ بلغت معدلات التضخم 3% في يناير 2025.

ومع عودة العلاقات الروسية الأمريكية، من الممكن أن يتحقق هذا الهدف بشكل متسارع، حيث يُتوقع أن تنخفض أسعار الطاقة داخل الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة تحسن العلاقة مع روسيا، إذ تستورد الولايات المتحدة منها 8% (245 مليون برميل) من احتياجاتها من النفط الخام والمنتجات ذات الصلة.

الشكل (4) يوضح معدل التضخم في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة من مايو 2021 إلى أبريل 2022.

فوفقًا لترامب، فإنه يرغب خلال ولايته الثانية في إعادة ضبط العلاقات مع روسيا. ومن جانبها، تعمل روسيا على زيادة التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة الأمريكية، خلال الفترة المقبلة، ويُستدل على ذلك من أن الوفد الروسي ضم، خلال المحادثات الثنائية في المملكة العربية السعودية، كبير مديري الاستثمار في الكرملين "كيريل دميترييف"، الذي عيَّنه الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" ممثلًا خاصًا له للتعاون الاستثماري والاقتصادي مع الدول الأجنبية.

وبالإضافة إلى ذلك، أوضح وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" أن هناك اهتمامًا كبيرًا بين المشاركين لإزالة الحواجز المصطنعة أمام تطوير التعاون الاقتصادي المتبادل المنفعة. وتوقع صندوق الثروة السيادي الروسي، خلال الاجتماع في الرياض، عودة عدد من الشركات الأمريكية إلى روسيا في الربع الثاني من عام 2025. كما أوضح المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي "ستيف ويتكوف" أنه من المتوقع قيام شركات أمريكية بأعمال تجارية في روسيا في حال التوصل إلى اتفاق سلام بشأن الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وهو ما يوضح أن حركة رؤوس الأموال بين البلدين ستزداد خلال الفترة المقبلة، خاصة مع أيديولوجية ترامب المحفزة للنشاط الاستثماري، كونه رجل أعمال.

(-) تعزيز التجارة العالمية: تضررت مسارات التجارة العالمية خلال السنوات الأخيرة؛ بسبب الحرب الروسية الأوكرانية وتدهور العلاقات الروسية الأمريكية. فروسيا تحتل مكانة كبيرة في التكامل الاقتصادي العالمي، إذ إنها مورد أساسي للغاز الطبيعي والعديد من المعادن، مثل التيتانيوم والألومنيوم والنيكل، بالإضافة إلى العديد من الغازات المستخدمة في إنتاج أشباه الموصلات. فعندما تنخفض نسبة صادراتها، كما يوضح الشكل (5)، من 29.8% في عام 2021 إلى 23.1% في عام 2023، ترتفع أسعار السلع العالمية. ولكن مع توجه المفاوضات الروسية الأمريكية نحو إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، ستنتعش التجارة العالمية، حيث سيتم ضخ الصادرات الروسية بشكل أكبر ومستمر في سلاسل التوريد العالمية المختلفة، مما سيؤثر إيجابيًا على اقتصادات الدول النامية.

الشكل (5) يوضح حصة صادرات روسيا من السلع والخدمات كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي

(-) استقرار أسعار الطاقة: تُعتبر روسيا أكبر مصدر للغاز الطبيعي، إذ صدَّرت نحو 139 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي خلال عام 2023، مما جعلها تتصدر قائمة أكبر ثماني دول مصدرة للغاز الطبيعي في العالم، كما أنها تعد من أكبر دول العالم من حيث الطاقة الإنتاجية للغاز المسال، حيث احتلت المرتبة السادسة بإنتاج 29.1 مليون طن سنويًا في عام 2024. وهذا الأمر من شأنه دفع أسواق الطاقة إلى استقرار أسعارها في حالة التوافق الروسي الأمريكي، وعودة العلاقات الاقتصادية إلى مسارها الطبيعي، إضافة إلى إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية.

(-) انتعاش مستقبل البريكس: إن تحذيرات ترامب لتكتل البريكس بعدم إصدار عملة جديدة أو دعم عملة أخرى لتحل محل الدولار، وإلا فسيتم فرض رسوم جمركية تصل إلى 100%، من المرجح أن تنتهي على طاولة المفاوضات الروسية الأمريكية. فروسيا تعد من الدول الكبرى داخل التكتل، كما أن قوتها الاقتصادية تعززت بقدرتها على تحقيق النمو؛ رغم العقوبات الغربية المتعددة. ومن هنا، يقترب هدف التعامل بالعملات المحلية بين دول التكتل ليكون أحد القرارات المحتمل اتخاذها في قمة البريكس المقبلة في يوليو 2025.

وفي ضوء الطرح السابق، يُمكن القول إن مؤشر العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا سيتجه نحو الانتعاش خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل الإرادة القوية لكل من دونالد ترامب وفلاديمير بوتين؛ لإعادة ضبط العلاقات.

وهذا من شأنه أن يمثل نقطة قوة كبيرة للنظام الاقتصادي العالمي، خاصة فيما يتعلق بتدفقات السلع والخدمات ورؤوس الأموال والتكنولوجيا؛ مما سينعكس إيجابيًا على مختلف الدول بوجه عام، وتكتل البريكس بوجه خاص.