طالب الادعاء العام الفرنسي بفرض عقوبة السجن خمس سنوات، منها عامان نافذان، على زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان، في قضية تتعلق بالاحتيال والتلاعب في توظيف مساعدين برلمانيين.
وأفادت صحيفة "لوموند" الفرنسية بأن طلبات الادعاء شملت أيضًا حرمان لوبان من الترشح للانتخابات لمدة خمس سنوات، وفرض غرامة مالية قدرها 300 ألف يورو، في تطور قضائي لافت قد يغير المشهد السياسي الفرنسي بشكل جذري.
فساد مالي
بحسب "لو موند"، كشفت التحقيقات القضائية، التي استمرت لأكثر من شهر ونصف الشهر، عن تفاصيل مثيرة لما وصفه الادعاء العام بـ"نظام منظم" داخل التجمع الوطني.
أوضحت الصحيفة الفرنسية أن القضية تعود إلى الفترة بين عامي 2004 و2016، حيث تم الكشف عن شبكة معقدة من التوظيف الوهمي للمساعدين البرلمانيين في البرلمان الأوروبي، إذ تشير الوثائق القضائية إلى أن هؤلاء المساعدين، البالغ عددهم 12 شخصًا، كانوا يتقاضون رواتبهم من مخصصات البرلمان الأوروبي، بينما كانوا في الواقع يعملون لصالح الحزب في فرنسا، ما يشكل اختلاسًا للأموال العامة الأوروبية.
وفي تفاصيل أكثر دقة، كشفت المحاكمة أنّ كلَّ نائب في البرلمان الأوروبي كان يحصل على مخصصات شهرية تقدر بـ21 ألف يورو لتوظيف مساعدين برلمانيين.
واستغل الحزب هذه المخصصات بشكل منهجي لتخفيف أعبائه المالية، خاصة في ظل الأزمة المالية الحادة التي كان يعاني منها.
وأظهرت المراسلات الإلكترونية التي كشفت عنها التحقيقات وجود -ما وصفه المدعون العامون- بـ"تحويلات" و"ترتيبات مالية" لنقل المساعدين بين النواب، حسب توفر المخصصات المالية.
تداعيات سياسية وقانونية
تكتسب هذه القضية أهمية استثنائية نظرًا لطلب الادعاء العام تنفيذ العقوبة فورًا، حتى في حالة استئناف الحكم، وهو ما يمكن أن يحرم لوبان من المشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2027.
وأثار هذا الطلب غير المسبوق ردود فعل غاضبة من لوبان وحلفائها السياسيين في فرنسا وخارجها، إذ نقلت "لوموند" عن لوبان وصفها لطلبات الادعاء بأنها "عنيفة" و"مفرطة"، معتبرة أن الهدف الحقيقي هو "حرمان الفرنسيين من حقهم في اختيار ممثليهم" و"تدمير الحزب ماليًا وسياسيًا".
وفي سياق متصل، برز التضامن السياسي مع لوبان على المستويين المحلي والأوروبي، إذ اعتبر جوردان بارديلا، أحد أبرز قيادات الحزب، أن "النيابة العامة تمارس اضطهادًا سياسيًا وتسعى للانتقام من لوبان".
كما تدخل نائب رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو سالفيني، حليف لوبان في البرلمان الأوروبي، مغردًا: "حتى في فرنسا، يحاولون بكل الوسائل إيقاف الإرادة الشعبية والرياح الديمقراطية للتغيير".
الأبعاد المالية للقضية
تتجاوز الأبعاد المالية للقضية حدود العقوبات الفردية لتصل إلى مطالبة الحزب بدفع غرامة ضخمة قدرها 4.3 مليون يورو، منها مليونا يورو مع وقف التنفيذ.
وكشفت التحقيقات التي نقلتها "لوموند" عن تفاصيل دقيقة للآلية التي كان يتم بها التحايل على قواعد البرلمان الأوروبي، إذ استغل الحزب حقيقة أن البرلمان الأوروبي كان يكتفي بـ"الرقابة المحاسبية" البسيطة، معتمدًا على "ثقته" في النواب في ما يتعلق باستخدام مخصصاتهم المالية.
وخلال ستة أسابيع من جلسات المحاكمة، أجرى المدعون العامون تحليلًا تفصيليًا لكل عقد من عقود المساعدين البرلمانيين.
وخلصوا إلى أن معظم الوثائق المقدمة كانت "مصطنعة" وتفتقر إلى "الاتساق"، مع غياب أي دليل حقيقي على العمل المنجز باستثناء "المراجعات الصحفية النموذجية".
وأشارت الأدلة إلى أن هذا "النظام" تعزز بشكل خاص بعد تولي لوبان رئاسة الحزب في عام 2011، حيث تم تعيين موظف خاص لإدارة العقود الأوروبية، يرفع تقاريره مباشرة إلى لوبان باعتبارها "صاحبة القرار".