الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

حدود الخلاف بين بايدن ونتنياهو

  • مشاركة :
post-title
الرئيس الأمريكي جو بايدن وبنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي - صورة أرشيفية

القاهرة الإخبارية - ضياء نوح

مع طول أمد العدوان الإسرائيلي على غزة وعموم الأراضي الفلسطينية المحتلة بدعم عسكري أمريكي تجاوز 10 آلاف طن من الأسلحة جرى إرسالها بجسر جوي فاق 200 طائرة نقل عسكرية أمريكية، واجهت الحملة العسكرية انتقادات علنية نادرة من الحليف الأمريكي، بالتوازي مع استمرار الغطاء الدبلوماسي والأمني للحكومة المتطرفة.

وعلى الرغم من العلاقات غير المستقرة بين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، منذ تولي بايدن منصب نائب الرئيس الأمريكي في عهد باراك أوباما، وخلال الفترة بين تشكيل حكومة نتنياهو مع اليمين الديني في ديسمبر 2022، إلا أن انطلاق عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023، شهدت تفاعلًا أمريكيًا مختلفًا مع الحكومة الإسرائيلية، ودعم بايدن المطلق لإسرائيل لم يزعزعه سوى دعوات على استحياء لتجنب التصعيد غير المحسوب، ظهرت في زيارته التضامنية.

وحث جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي الأمريكي، خلال زيارته إسرائيل يومي 14 و15 ديسمبر الجاري، سلطات الاحتلال على اتباع نهج انتقائي يجنبها سقوط أعداد كبيرة من المدنيين الفلسطينيين، والتباحث حول مصير الحرب على غزة والترتيبات اللاحقة بعد انتهاء الحرب لهيكل الحكم في القطاع وعودة السلطة الفلسطينية، التي تزامنت مع إعلان نتنياهو رفضه أي مقترحات لعودة السلطة الفلسطينية والتلويح بمهاجمة جيش الاحتلال لجهاز أمن السلطة، سعيًا لتقويضها وإنهاء حل الدولتين إلى الأبد، بعد تصريحات في فعّالية حزبية حذّر فيها الرئيس الأمريكي، الثلاثاء الماضي 12 ديسمبر الجاري، من أن "حياة الشعب اليهودي باتت على المحك حرفيًا" نتيجة القصف العشوائي للمدنيين في القطاع، ودعا لتغيير الحكومة المتطرفة.

وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي دوافع وحدود الخلاف بين بايدن ونتنياهو، وكيف ينعكس ذلك على مستقبل الحرب.

دوافع الخلاف

كشفت شبكة "سي إن إن"، الخميس 14 ديسمبر 2023، عن تقييم استخباراتي أمريكي يظهر أن أكثر من نصف مقذوفات المقاتلات الإسرائيلية التي أُلقيت على غزة هي ذخائر غير موجهة "غبية" وذات قدرة تدميرية واسعة، تُسهم في زيادة حصيلة الشهداء من المدنيين الأبرياء بالقطاع. ويمكن استعراض دوافع الخلاف على النحو التالي:

(*) الحسابات السياسية: مع بدء العد التنازلي للانتخابات الأمريكية، نوفمبر 2024، يتخوف الرئيس بايدن على حظوظه في ظل تصاعد شعبية ترامب في الشارع الأمريكي، ويظهر تكرارًا لسيناريو انتخابات نوفمبر 2020 بين ترامب وبايدن، حسب أحدث استطلاع رأي أجرته وكالة رويترز وإبسوس للأبحاث، في الفترة من 5 إلى 11 ديسمبر 2023 على 4411 ناخبًا أمريكيًا، ونشرته الوكالة، الثلاثاء 12 ديسمبر 2023، ليتقدم ترامب بنحو 38%، مقابل 36% لبايدن، وأبلغ نحو 26 % بإمكان التصويت لمرشح آخر.

حدود الخلاف بين بايدن ونتنياهو

وفي حال انضمام مرشح آخر إلى جانب الخصمين، بصفة مستقل مثل روبرت كينيدي جونيور، تصدر ترامب بفارق 5 نقاط مئوية، بواقع 36% مقابل 31% للرئيس بايدن، الذي خصم المرشح المحتمل من رصيده المحتمل مُسجلًا 16%، فيما أظهر الاستطلاع أن نحو 60% من المستطلعين يبدون سخطًا تجاه نظام الحزبين القائم في الولايات المتحدة ويتطلعون إلى خيار ثالث.

كما يمثل موقف الإدارة الأمريكية من الحرب على غزة، تؤثر على حظوظه من أصوات المجتمعين العربي والمسلم في الولايات المتحدة، في ظل ما تمتلكه تلك المجتمعات من تأثير انتخابي في عدد من الولايات المتأرجحة وعلى رأسها ولاية ميشيجان، ممن أكدوا عدم رغبتهم في التصويت لبايدن بالانتخابات المقبلة.

على الجانب الآخر تشهد شعبية نتنياهو وحزب الليكود تراجعًا تاريخيًا، في ظل اتهامه بالتقصير الذي قاد لمشهد السابع من أكتوبر 2023، فضلًا عما يعانيه في الساحة السياسية من اتهامات فساد في 4 قضايا، إلى جانب مشروع التعديلات القضائية التي عززت من عزلته السياسية عن مختلف التيارات باستثناء بعض أحزاب اليمين المتطرف.

ويظهر ذلك في استطلاع رأي نشرته جريدة "معاريف" العبرية، منتصف نوفمبر الماضي، يرجح تراجع حصة الائتلاف اليمني الحاكم من 64 إلى 41 مقعدًا، منها 18 مقعدًا لحزب الليكود بدلًا من 32، ومن المحتمل أن ينخفض نصيب ائتلاف الصهيونية الدينية من 14 إلى 7 مقاعد فقط لصالح حزب القوة اليهودية بزعامة إيتمار بن جفير، بينما يخسر حزب الصهيونية الدينية بزعامة بتسلئيل سموترتش كل مقاعده في الكنيست، ويظل المستفيد الأكبر من تلك الحرب حزب المعسكر الرسمي بزعامة عضو حكومة الطوارئ بيني جانتس، إذ من المتوقع حسب الاستطلاع ارتفاع تمثيله من 12 مقعدًا حاليًا إلى 43، بينما يتراجع كذلك حزب المعارضة الرئيسي "يش عتيد" بزعامة يائير لابيد من 24 إلى 13 مقعدًا فقط.

(*) المصالح الاستراتيجية: الأمر نفسه يمتد إلى تجاذبات السياسة الخارجية تجاه منطقة الشرق الأوسط بين أعمدة السياسة الأمريكية، التي تنقسم على نفسها بين أقصى اليمين في الحزب الجمهوري وأقصى اليسار في الحزب الديمقراطي بزعامة بيرني ساندرز، وهو ما انعكس على الشقوق العميقة بين صفوف قادة الحزب الديمقراطي وإدارة بايدن نفسها إزاء الحرب على غزة ومستقبل حل الدولتين، وهو ما يظهر فيما نقلته مجلة "بوليتيكو"، 14 ديسمبر الجاري، أن نائبة الرئيس كامالا هاريس، حثت الرئيس بايدن وعددًا من مسؤولي الإدارة على إبداء مزيد من التعاطف والقلق "العلني" من الأوضاع الإنسانية للمدنيين في قطاع غزة، وتبني سياسة أكثر صرامة في التعامل مع نتنياهو، للالتزام بعملية السلام طويلة الأمد تضمن الوصول لدولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل.

وفي المقابل يقف نتنياهو وأركان حكومته من اليمين المتطرف عقبة أمام إنهاء الحرب بأهداف وأفق زمني واضحين، في ظل مساعي وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن جفير، لتسليح كل المستوطنين في الضفة الغربية والقدس وتركيز الاهتمام على مخطط التهجير القسري للفلسطينيين من عموم الأراضي المحتلة، الذي من شأنه أن يشعل الصراع مع توسيع عمليات تسليح المستوطنين في الضفة الغربية، الذين يبلغ عددهم نحو 700 ألف نسمة، يتصدرهم نحو 60 ألف أمريكي الجنسية.

من جانب آخر؛ تتخوف إدارة بايدن من أي حسابات خاطئة من شأنها أن تقود إلى توسيع الحرب وامتدادها على نطاق إقليمي باشتعال جبهات أخرى بالتوازي مع الحرب على غزة، بما يهدد المصالح الأمريكية والغربية في المنطقة، خلافًا لموقف حكومة الحرب الإسرائيلية، التي تبدو حريصة على إشراك الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الراهنة في حال اشتعال أو إشعال جبهات أخرى، وبصفة خاصة الجبهة اللبنانية، وهو ما تسبب فيه الثقل العسكري الأمريكي الذي بات يشكل غطاءً حاميًا لإسرائيل من أجل استكمال أهدافها في القضاء على الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، مع عزل أي تأثيرات جانبية من أي جبهة بديلة.

حدود الخلاف:

أظهرت ردود الفعل الأمريكية العلنية وغير العلنية، أن الخلاف مع قيادة نتنياهو ترتبط بالإضرار بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية وتعظيم كلفة الحماية الأمريكية لإسرائيل، التي تعتبر بمثابة حاملة طائرات أمريكية متقدمة في المنطقة، فضلًا عن التهديد الداخلي بالتحلل والانقسام، الذي قاد بايدن للقول إن حياة "الشعب اليهودي" باتت "على المحك".

يضاف إلى ذلك ما ذكرته وسائل الإعلام الأمريكية حول مفاجأة السابع من أكتوبر، التي أعادت اهتمام أجهزة الاستخبارات الأمريكية لتتبع نشاط وتحركات الفصائل الفلسطينية، وأن اعتمادها على تقييمات الأجهزة الإسرائيلية مثل خللًا في قدرتها على التنبؤ أو التعامل مع الهجوم، ومن ثم قد يكون ذلك مؤشرًا على إعادة تقييم أمريكية شاملة للتعامل مع كل الفصائل والتنظيمات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط.

وعلى ما سبق يمكن التعرف على حدود الخلاف بين الإدارة الأمريكية الحالية وحكومة نتنياهو المتطرفة، على النحو التالي:

(&) مدى الهجمات: تدرك واشنطن أن كثافة الهجمات العشوائية الإسرائيلية باستهدافها عشرات الآلاف من المدنيين لا تخدم هدف الحرب المعلن، وتحفز بقاء دولة الاحتلال في مواجهة موجات صراع أكثر عدائية وشراسة، خاصة في ظل تضييق الخناق على السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية، من خلال الاقتحامات المتكررة واليومية لمناطق الضفة والتلويح بمواجهة أمن السلطة في نهاية المطاف، وهو ما دفع الإدارة لتعليق تسليم نحو 20 ألف بندقية، حسب ما ذكر موقع "أكسيوس"، 13 ديسمبر 2023.

ولا تضغط الولايات المتحدة بصورة علنية لإنهاء الحرب، فيما تبقى على خيار تقليل كثافة الهجمات واتباع نهج "الهجمات الجراحية" من خلال عمليات القوات الخاصة محدودة النطاق والأهداف، لتقليل الضغوط الشعبية والدولية على الإدارة الأمريكية التي ظلت متمسكة بالدفاع عن إسرائيل أمام مختلف المحافل الدولية، من خلال الوقوف بوجه إصدار قرارات أممية تدعو لوقف الحرب، ورغم الدعم العسكري المتواصل، حذر وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن، من "خسارة استراتيجية" لإسرائيل نتيجة استهداف الوجود الفلسطيني في غزة، وفي تلك الحالة سيكون من الصعب على الولايات المتحدة ضمان بقاء مستدام وآمن على المدى المتوسط.

(&) حالة الجبهة الداخلية: استغل نتنياهو حالة الغضب في الداخل من هجوم السابع من أكتوبر 2023، لإنقاذ منصبه وحياته السياسية من خلال الدعوة لحكومة طوارئ تجمع مختلف أطياف السياسة الإسرائيلية، إلا أن استمرار الحرب لأكثر من 70 يومًا دون نتائج ميدانية واضح ومحاولة إشعال الأوضاع في الضفة بتسليح المستوطنين المتطرفين والدفع بمخطط التهجير، بالتوازي مع استمرار المظاهرات الغاضبة لأسر المحتجزين وفشل جيش الاحتلال في الإفراج عنهم وقتل 4 منهم على الأقل، خلال محاولتين مزعومتين لتحريرهم، وفق بيانات جيش الاحتلال والفصائل الفلسطينية.

ويتضح من ذلك أن استمرار الحرب يُكرس لحالة الانقسام التي صاحبت تشكيل حكومة نتنياهو المتطرفة، التي تهدد ليس فقط بإشعال غزة والضفة، وإنما اشتعال الصراع بين اليهود وعرب الداخل من مواجهات عنيفة واتساع الهوة بين اليمين واليسار اليهودي.

وإجمالًا لما سبق؛ يمكن القول إن الخلاف الرئيسي بين الرئيس الأمريكي جو بايدن وبنيامين نتنياهو يتمثل في المصالح الاستراتيجية الأمريكية، عبر فض تشابك الجبهات والساحات، مع عزل الفواعل المستهدفة ميدانيًا وشعبيًا، في ظل ميراث الغضب الفلسطيني والعربي الذي خلفه العدوان الإسرائيلي المدعوم أمريكيًا على أهالي غزة، فضلًا عن تدني نسب تأييد الرواية الإسرائيلية أمام الرواية الفلسطينية للمرة الأولى أمام الرأي العام العالمي والأمريكي على وجه التحديد.